Wednesday, November 25, 2015

بارتون فينك؛ درّة تاج الأخوين كوين.

في البداية، حابب أقول إن الفيلم دة من أكتر الأفلام المُعقدة والصعبة اللي ممكن الواحد يتفرج عليها في حياته. القصة _على المستوى الأول للفيلم_ بتدور حوالين كاتب بينجح في برودواي عن طريق مسرحية كتبها، أحد شركات الإنتاج في هوليوود بتطلبه علشان يشتغل هناك ويكتب فيلم، المنتج بيقابله وبيكلفه بتكتابة فيلم عن المصارعة لأن دة هو اللي هيعجب الناس. الكاتب بيصاب بـ Writer's block وبيحاول ياخد أفكار من خلال كاتب كبير هو بيعتبره مثله الأعلى وأفضل روائي موجود في الوقت دة، فبيحاول يتواصل معاه، وبيقابل السكرتيرة بتاعته اللي بتكون في نفس الوقت عشيقته. في نفس الوقت دة برضه بيتعرّف على جاره بس بطريقة غير جيدة عن طريق إنه إشتكاه للعامل بتاع الفندق إنه مزعج، وبتنشأ بينهم صداقة غريبة. دة في أول ساعة للفيلم، لحد هنا وكل شيء عادي وطبيعي، اللي مش عادي بقى إنه يحصل جريمة قتل، وهنا بقى بيبدأ الفيلم فعلًا. 

ملحوظة: اللي جاي دة كله حرق للأحداث.
___________________________________

لما السكرتيرة بتموت في سرير بارتون، بيطلب من صديقه/جاره (جون جودمان) إنه يساعده لأنه مايعرفش حد غيره، وصديقه فعلًا بيساعده وبيخفي الجثة، بعد شوية بيجي له إتنين مخبرين ويقولوا له إن صديقه دة مجنون وسفاح له طريقه مشهوره في قتل الناس هما بيعرفوه بيها، وإنه إسمه عكس اللي قال له عليه، ساعتها بيرتبك بس برضه مابيبلغش عنه وبيقول إنه سافر _وهو ما حدث فعلًا_ وإنه مايعرفش عنه حاجة وهو جزء من الحقيقة.

بعدها بتنتهي الـ Writer's block دي وبيبدع فعلًا في الكتابة، لكن المنتج بيرفض الفيلم لأن قصته ماتناسبش السوق، الفيلم عن صراع داخلي للشخصية الرئيسية والمنتج عايزها قصة مصارعة وناس بتضرب بعض وأكشن علشان يجيب فلوس.

طيب، كل دة كويس، لكن، هل هو حقيقي؟ بمعنى هل حصل كل الأحداث دي ولا دة مجرد عقل بارتون؟ وهي دي الفكرة الأساسية للفيلم. الشخصيات الحقيقة في الفيلم _من وجهة نظري_ هم (بارتون فينك - المنتج - الكاتب) والتلات شخصيات _بحسب كل النقاد_ هم شخصيات حقيقية في الواقع والفيلم مستوحى منهم (كليفورد أوديت الكاتب المسرحي/السنيمائي - لويس بي ماير وهاري كوهين المنتجين - ويليام فوكنر الروائي والكاتب السينمائي).

التلات شخصيات دول ليهم شخصيات آخرى عكسهم تمامًا في نفس نطاق العمل/السكن (الجار - المساعد - السكرتير). الفيلم مليء بالصور الرمزية اللي بتظهر مع كل مشهد أكتر وأكتر.

مشهد بارتون فينك اللي بيدّعي إنه بيكتب في المسرح عن البسطاء وللبسطاء وهو بيبيع كل دة وبيروح هوليوود علشان شيك بألف دولار في الأسبوع. الكاتب المدّعي اللي لما قابل جاره وهو راجل بسيط من اللي بيحب يكتب عنهم وقال له إنه عنده قصص رفض يسمعها وقعد يتفلسف عن إحتياج الكاتب لمعاناه علشان يقدر يخلق قصص ويُبدع.

مشهد وصوله لمكتب المنتج، الشخص الغريب اللي مابيعرفش يقرأ بس عارف كويس السوق ماشي إزاي (إحم، السبكي) لكن له مساعد (وهو الشخصية المقابلة له) بيفهم في الفن وهو اللي رشّح بارتون فينك وهو اللي إتفرج على مسرحيته وهو اللي هيعجبه السيناريو بتاعه في الأخر لكن هيترفض كونه مش مناسب للسوق.

مشهد طرد المساعد دة كان برضه من المشاهد الغريبة والمهمة في الفيلم، كون المساعد هيظهر مرة أخرى في آخر الفيلم في المكتب مع المنتج لأنه في النهاية هو شخصية المنتج المقابلة اللي بتقدر الفن الحقيقي واللي كانت هتضيع الشركة في الأول لكنه تم فصله من الشراكه وشراء نصيبه في إشارة لأن المنتج كان فعلًا مهتم في الأول بالفن لكن لما وجد إنه هيخسر نحى جانبًا فكرة الفن دي خالص وشاف متطلبات السوق وكسب فلوس.

مشهد الناموسة اللي في أوضة بارتون فينك _واللي مابتظهرش غير وقت حدوث شيء مقلق لبارتون بس_ ومشهد سقوط ورق الحائط، والحرارة الشديدة واللي مابيظهروش غير في وجود الجار كلها دلائل على فكرة إن الأوضة بالأوتيل كله عبارة عن عقل بارتون وشيء مش حقيقي لأنه أصلًا مفيش حد في الأوتيل دة خالص بيظهر غير بارتون وجاره وعامل الأوتيل وعامل الأسانسير.

مشهد الكاتب الروائي الكبير وهو سكران وبيضرب سكرتيرته/عشيقته في إشارة لأنه بيدوس على موهبته في مقابل تحقيق مادي في هوليوود.

مشهد السكرتيرة اللي بتروح لبارتون في الأوضة وتقول له إنها شاركت في كتابة آخر روايتين وكام سيناريو للكاتب الروائي العظيم اللي بيحبه وساعتها بيغضب جدًا وبيعتبر دة خداع وإنه شيء مش أخلاقي في إشارة لأن الشخصيات اللي بنتصوّر إنها عظيمة مش بالضرورة مابتغلطش أو فعلًا بالعظمة اللي إحنا متخيلنها. (دة على حسب ما فهمت يعني)
المشهد العظيم _واللي أبدع فيه جون جودمان وكان أحلى حاجة في الفيلم_ مشهد إستجواب المخبرين لبارتون في أوضته وعلمه برجوع جاره وحرق الفندق كله وقتل المخبرين وتحرير بارتون. كل دة كان إشاره لخروج الشخصية المقابلة خلاص من عقل بارتون.

الصورة بتاعة البنت اللي قاعده على الشاطيء واللي بارتون كان بيفضل باصص فيها لفترات طويلة بتظهر آخر الفيلم بنفس الوضعية اللي كانت عليها في الصورة في مشهد أقل ما يقال عليه إنه سوريالي على طريقة سلفادور دالي، بالذات مشهد الطائر وهو بيقع في البحر ميّت ومن غير أي سبب.

الفيلم مُعقد جدًا وبيحمل أكتر من تأوييل ورسالة. فكرة إن هوليوود مش بالسهولة اللي الناس فكراها وكل شيء فيها بيتم بالمال والفن مش أولوية هناك والمكسب المادي هو رقم واحد. فكرة الكاتب اللي بيعتبر نفسه مُبدع وخالق وبيضحي بكل شيء في حياته (صحاب - حب - أقارب) وبيفضّل الوحدة على كل دة، وبيدّعي إنه بيكتب كلام واقعي عن الناس وهو في الحقيقة بعيد تمامًا عن الواقعية وعن الناس. الفيلم فعلًا مُعقد وصعب جدًا تفهمه من غير ما تقرأ عنه وتتفرج عليه مرة كمان.

حابب كمان أقول إن الفيلم مبهر على مستوى الصورة والصوت، وكل الكادرات _بالرغم من إحساسي إنها مبالغ فيها وفيها سنّة فذلكة_ إلا إنها كان ليها هدف لما فهمت قصة الفيلم بعد ما قريت عنّه.

Tuesday, November 24, 2015

عن الحياة كمونولوج طويل بلا مقدمات

لا أعلم  بالضبط متى بدأ الأمر، لكنه بدأ. شعور لا تعرف له تعريفًا واضحًا، القليل من اليأس، القليل من اللاجدوى، والكثير من الفراغ.

تشير الساعة إلى الرابعة صباحًا، كل شيء ساكن، حتى الهواء من حولي. أدخل إلى الشرفة المطلة على الشارع، أشعر بالبرد لكن لا أعبئ كثيرًا بهذا، أنظر إلى الشارع الخالي المليء بالوحشة والفراغ، تمامًا كالقلب هذه الأيام. أتجول بعيني بين البنايات، لا شيء جديد، كل شيء في مكانه كما كان، وكما سيكون، على الأقل في المستقبل القريب.

تقدم إلي الفشل منذ وقتٍ طويل بعرض شيّق، إجعلني صديقك وسأجعل ضميرك يصدق أن كل شيء على ما يرام، وأنا وافقت. لم يكن لدي في المدرسة أصدقاء، فقط زملاء غير ودودين ولا محبوبين بالنسبة لي، لكن لا بأس، فأنا أذهب يوميًا وأعود إلى المنزل، بلا خسائر تقريبًا، وهذا أمر جيد. تمر الأيام سريعًا، أتقدم في العمر لكن كل ما حولي ساكن، أبي وأمي في دوامة مشاكل دائمة، ولا يبدو أن هناك سبيلًا لحلها.

عندما دخلت إلى الجامعة، قررت دراسة تخصص لا أحبه، لكنه سيكون كفيلًا بتأمين الحياة، أو هكذا ظننت، أم أنني لم أفكر كثيرًا في هذا؟ لا أتذكر، فكل شيء كان على ما يرام، أذهب إلى الجامعة وأعود إلى المنزل، بلا أصدقاء، وبلا خسائر أيضًا. أقرر التجول في الشوارع، وحيدًا، بلا رفيق، هذا أسهل، أذهب إلى أي مكان أحبه، بلا محاولة لأقناع أحد بهذا المكان. الشوارع تبدو بلا روح، لكن لا بأس، طالما أنني بخير. أحاول التجوّل، أحمل بداخلي أفكار، لكنني لا أبوح بها لأحد، فأسير بلا هدف، كنبي أدرك عدم جدوى رسالته، لكنني لا أتوقف عن السير.

أجلس في البيت طيلة الوقت، تقول أمي أنني سأكون مثل أبي الذي قرر أن يبتعد عنّا، ضعيف وخائف ومُحبط، لكنها لم تذكر صراحةً أنني فاشل، إذن لا بأس، أنا بخير.

أفكر، ماذا كان حال اليهود وقد ظلوا أربعين سنة في التيه، يتجولون في الصحراء، بلا هدف، ماذا كان يدور في عقولهم، هل ندموا على ما فعلوا؟ أم أنهم رأوا أنهم كانوا على حق؟ أم أنهم لم يفكروا أي شيء إلا كيفية خروجهم من هذا المأزق؟ أفكر في هذه القصة كثيرًا، لكنني لا أفكر في كيفية الخروج، أظن أنني لو كنت مكانهم لما فكرت في أي شيء، فأنا لم أمت، إذن لا بأس، كل شيء على ما يرام، وأنا بخير.

يوم ما، رأيت فتاة شديدة الجمال، أو هكذا رأيتها، فمن رأوها قالوا بأنها عادية، لا تستحق كل هذا الإهتمام، أما أنا فلم أكن أفكر بشيء غيرها، أذهب إلى المكتبة _بالرغم من أنني لا أقرأ_ فقط كي أراها، أجلس وأضع سماعاتي في أذني وأستمع إلى أي أغنية تقابلني، لا أهتم، فقط أريد أن أكون في نفس المكان التي تتواجد فيه، بدأت أشعر أن القلب قد غمرته مشاعر لا أعلم كيفية التعامل معها، لذلك وقفت مكاني، لم أتحرك، لم أخذ أي خطوة نحوها. بعد فترة، رأيتها تتجول، كل يوم، مع أحد الأشخاص، وتبتسم. أخذت وقتًا حتى إنسحبت المشاعر من قلبي، ليعود كما كان، فارغًا كبهو قصر كبير لا أثاث به. لكن أنا لم أخسر شيء، إذن كل شيء على ما يرام، أنا بخير وهذا هو المهم.

كل شيء من حولي ساكن، لكن لماذا يتحرك الزمن؟ أنا أكبر، وهذا أمر حزين، لماذا نسمح للزمن بأن يطأ بقدميه على حياتنا بقسوة غيرعابئ بتأثيره علينا؟ ما الجدوى من الحياة إذن طالما سيبقى الزمن جاثمًا فوق صدورنا؟

هذه الحياة أمرها غريب حقًا، فقد أتيت إليها دون إرادتي، وإذا أردت مغادرتها فهذا سيكون أمّا قرارًا مني أو أنتظر حتى ينتهي زمني، بلا أي إرادة منّي. لكن هذا لن يحدث بقرار مني، ما الداعي لأنهاء الحياة؟ فأنا لم أفوز بشيء أو أخسر شيء، إذن كل شيء على ما يرام، أنا بخير، حتى الأن.

أركن إلى المجاز الأقرب والأوضح، لضعف ما امتلك من حصيلة معرفية ولغوية وزخم شعوري تجاه العالم، فالوحدة هي الصحراء الواسعة، والظمأ الأرض ا...