Friday, September 4, 2015

عن الحزن .. كنصل حاد قاطع ذو حدين

لم يكن الحزن، بالنسبة لي طوال عمري، إلا صديقًا، يسير معي أينما سرت، مثله كمثل جميع المشاعر التى كنت أشعر بها دومًا، لكنه منذ فترة ليست بالقريبة، أصبح الحزن نصلًا حادًا قاطع ذو حدين، حدٌ مغروسٌ في قلبي، والأخر في قلوب من حولي.

متى بدأ الحزن ومتى إنتهى؟ لا أعرف، لكن ما أعرفه جيدًا هو أنه يجعلني أخسر من حولي بسهولة، بالرغم من محاولاتي المستميته لإبعادهم عنه، كي لا يكونوا جزءًا منه، يكفيهم الكآبه التي أصدرها لهم بما يكفي على جرعات متقاربه. لذلك كان الحزن أخطر المشاعر، أخطر عليّ من الحب حتى لو جاء في أكثر الأوقات خطًأ.

أتحول، فترة تلو الأخرى، لإنسان غير راض عن شيء في حياته، بل يزيد على ذلك أنه لا يكتفى بالنظر في نفسه بل ينظر في من حوله حتى لا يرضى عن حياتهم ايضًا، فيحاول أن يكون سببًا في تحسينها إلى أنه ينتهى به الأمر دائمًا خارجها تمامًا، يصير دائمًا سببًا في طرده من حياة من حوله، سواء بالتجاهل أو الطرد بشكل أكثر صراحة.

المشكلة أنني أعلم السبب، وأعلم أنه يمكنني إصلاح هذا الخطأ والعمل على إنهاء هذا السبب، لكنني في الوقت نفسه لا أريد بشكل يجعلني أتخذ الخطوات اللازمة للحل، فأحاول أقناع نفسي أنني لا أستطيع، فعدم الإستطاعة أسهل كثيرًا من معرفة أنك حقًا تستطيع لكنك لا ترغب في ذلك بشكل صريح.

جربت مواجهة نفسي عدة مرات، في كل مرة كنت أخترع حجة منطقية أكثر للبقاء على ما أنا عليه، وكل الحجج بالطبع تقنعني، فأبقى كما أنا، إلى أن أخسر صديقًا قريبًا أو بعيدًا، فأبدأ في إيجاد الحل، فأقنع نفسي أن ما يحدث كان سيحدث على أي حال من الأحوال لأنه ليس مقدرًا لنا أن نبقى على معرفة بعضنا البعض، فقطع الوصال نتيجة طبيعية في نهاية العلاقة الإنسانية، وأنا لا أمتلك مقاومات البقاء في علاقة إنسانية دون تحديد سببًا وجيهًا للبقاء.

العلاقات الإنسانية، بالنسبة لي على الأقل، تقوم بشكلٍ أساسي، على التواصل، وأنا تقيمي لنفسي في هذا الأمر تحت المقبول، فلا أستطيع التواصل بما يكفي لإنشاء علاقة إنسانية تعتمد بشكل أساسي على التكامل، ومحاولة إيجاد الكمال في الشخص المقابل، فكل منّا يمكنه إكمال غيره من البشر بما ينقصهم، وأنا أرى أنني لا أمتلك شيئًا يمكنك الإستفادة به، لذلك يتعذر عليا التواصل، ويصبح صعبًا، شديد الوطأه على النفس، فأقطعه، وأقول لنفسي أنني إذا كنت قادرًا على التواصل كانت ستتبدل حياتي تمامًا.

في النهاية، أنا لا أعرف ما الذي سوف يحدث في المستقبل، لكنني أتمنى ألا أخسر المزيد من البشر بسبب الحزن، لأنني إذا خسرت أكثر من ذلك، لن يتبقى الكثير كي أخسره، ومعرفة أن هناك شيء يمكنك أن تخسرة تحرك بداخلنا غريزة البقاء من أجله، فنقاتل، ونتسلح بالأمل في أن القادم سيكون أفضل.

Saturday, August 22, 2015

احمد الحاج احمد شاب سهل المعشر صعب الطباع، لا يحب ارتداء القمصان الملونة، يرتدي الابيض والاسود كفيلم من انتاج اسيا. احمد لا يحب كرة القدم وهذا ما جعله بلا اصدقاء، حاول اكثر من مرة ان يدفع حساب المقهى كي يتقرب من الناس لكنه كان سخيفا لدرجة ان صاحب المقهى كان يخبر الصبي ان يخبر احمد الحاج بعدم وجود مشاريب له.

احمد الحاج احمد شاب مكافح كسول، يعمل مهندس لصيانة الكمبيوتر في شركة ملابس جاهزة، يذهب الي العمل في وقت مبكر من النهار ويجلس على مكتب صغير وكرسي من الخشب، احترف لعب السوليتير والرجل النطاط وضرب رقما قياسيا بها.


في احد الليالي منتصف شهر ذو القعدة، والقمر مكتمل، احس بألم شديد في المعدة فجلس على مصطبة صغيرة بارتفاع ٤٠ سم، تذكر كل ما اكل في يومه فلم يذكر غير كيس شيبسي بالخل والملح كان متروكا على احد نوافذ الشركة. بعد قليل اصابه دوار فقام واخذ يدور حول نفسه، وجد نفسه يقطع قميصه الابيض بدون مقدمات، زاد حجم عضلاته بشكل عجيب وكساه شعر كثيف حتى شعر انه يتحول الى سيد زيان.

بدا له الامر عجيبا، تضخمت انيابه حتى فطن انه تحول الى مستذئب، جلس يفكر، كيف تحول الى مستذئب في بلد مذكورة في القرآن ولها رئيس قوي يحبه الجميع ويؤيده، جلس يفكر طويلا حتى غلبه النعاس فنام حتى استيقظ ووجد بلا ملابس وبجانبه ورقة تقول "تعيش وتاخد غيرها".
الشيخ سعيد موظف دولة مثالي، يعمل بأحد أشد معاقل البيروقراطية فتكًا بالمواطنين. الشيخ سعيد يأتي في الصباح متأخرًا لعله يمهل لزملائه الوقت كي يأتوا متأخرين بضع ساعات عن يوم العمل العادي، لكنه لا يهمل الخصم لكل من قصّر وجاء متأخرًا إلا نفسه.

يعمل الشيخ سعيد في مكتب شئون العاملين، وهو مختص بتسجيل الغياب والحضور للجميع الموظفين في هذا الصرح العظيم البغيض. يبدو متسامحًا في بعض الأحيان، ويبدو قذرًا ايضًا في أحيان أخرى، يحدث من يدفع حساب الشاي بلطف ويقسو على من يشرب ولا يدفع، وقد يقسو أحيانًا على من يدفع لأنه دفع لنفسه فقط ولم يدفع للشيخ سعيد، فيخصم من نصف يوم عقابًا له على ذلك.


يعلق الشيخ سعيد خلف مكتبه يافطة عملاقة متر في نصف متر كُتب عليها بخط كوفي ردئ "لا تمارضوا فتمرضوا فتموتوا .. صدق رسول الله (ص)". فأذا اتاه أحد الموظفين أو الموظفات قائلًا أنه مريض أشار له إلى اللوحة وقال له بنبرة وعظية بها الكثير من الشماته والبغضاء "إنت حر .. إنت اللي هتموت مش أنا".

على مكتبه، يجلس الشيخ سعيد طوال اليوم، يقرأ الجرائد ويشرب الشاي ويحاول حل الكلمات المتقاطعة إذا لزم الأمر، يدخل عليه بعض الموظفين فيبادرهم بقوله "شوفتوا اللي حصل؟" ويبدأ في سرد أحداث قرأها منذ قليل وربما يزيد عليها قليلًا من خياله فيقول الواقف أمامه "لا حول ولا قوة إلا بالله" فيرد الشيخ سعيد بجملته التي رافقته طيلة السنوات القليلة الماضية "هنعمل إيه؟ ربنا يولّي من يصلح" ولا ينسى ابدًا أن يضم الياء ويشدد اللام.
الحاج عبد اللطيف الجيزاوي هو الشخصية المفضلة لدي بين كل الشخصيات التي يضعها القدر في طريقي، فهو شخص عصامي، بنى نفسه بنفسه، وبمساعدة أبيه المادية أستطاع السفر للأردن بعدما انهى دراسته الثانوية بـ 50%.

الحاج الجيزاوي بدأ حياته في الأردن كعامل في إحدى شركات إستخراج الحجارة من الجبل، وهو أمر شديد المشقة، لكن الحاج الجيزاوي من رجال السيتنات الأشداء الذين لا يهمهم شدة ولا عناء، فكافح حتى تقرّب من صاحب الشركة _بطرق ملتوية وغير ملتوية_ كي يجعله يقود المقطورة ولا يقف في الشمس طوال النهار منتظرًا إستخراج الحجارة.


عاد إلى مصر بعدما أتم عامة السادس والعشرون لكي يتزوج من إمرأة غاية في الجمال لم يراها قط، وإنما قالت له والدته أنها مناسبة وصحتها كويسة للزواج، فتزوج وأنجب ولدًا وبنتًا يشبهان أمهما ولا يشبهانه في شيء. ظل يعمل طوال حياته كي يوفّر لهم المال الذي عن طريقه سيبدأون حياتهم كما بدأ هو من الصفر، فدفع الملايين من أمواله كي يصبح أبنه طيارًا مدنيًا ويتقاضى أجرًا عاليًا ويعتمد على نفسه.

يعيش الحاج الجيزاوي حياةً متناقضة، فهو أب حنون وقاسي في نفس الوقت، يعامل ابناءه بلطف وشدة، فيعطيهم أموالًا بيد ويضربهم باليد الأخرى، فهو يؤمن بأن الضرب هو الطريق القويم لصلاح الفرد والمجتمع. يرى ايضًا أن الفتاة إذا لم تضرب ستصير متمردة، وهو أمر مرفوض إذ أن عاقبة التمرد هي الطرد من الجنة، لكنه لن يستطيع طرد ابنته في هذة الظروف العصيبه، لذلك يضربها حتى لا تتمرد من البداية.

الحاج الجيزاوي حاليًا يمتلك في رصيده من السنوات ستون، ويمتلك من الزوجات اثنين، طلق واحدة ويريد الأن الأخرى، عجوز متصابي يرتدى تيشرتات ضيقة وبناطيل أشد ضيقًا، له أراء في كل شيء، لا يؤخذ بها في أغلب الأوقات لكنه يقولها على أي حال. على هاتفه المحمول مُسجل الكثير من المواقع الإباحية التى ستؤدي بحياته قريبًا إذا أبقى على معدل مشاهدته لها.

الحاج الجيزاوي من أكبر مؤدي جمال عبد الناصر والسد عالي وجميع المشاريع القومية الناصرية، يحب في عبد الناصر فضيلة الصدق، وأنه كان جدع وإبن بلد، ولا يسرق شعبه ابدًا. الحاج الجيزاوي الأن شريكًا في مشروعٍ ما، لا يقول الصدق ابدًا في جميع الأحوال، يستغفل شريكة كي يؤمن حياته وحياة ابناءه من الضياع لأنه وكما يقول دائمًا "ماحدش ضامن الظروف .. ولا غلط؟".
في يوم من الأيام، وأنا في أولى ثانوي، صحيت على تليفون من رقم بنت لطيفة جدًا وكنت بحب أتكلم معاها، أستغرب إنها بتكلمني، متعود إن أنا اللي أكلمها. رديت عليها فلقيتها بتقول "لسة عايز تشوفني يا إبن المرايعيش (شتيمة ماسمعتهاش كويس بس غالبًا حاجة قوية يعني)" ساعتها ماكنتش مصدق وفضلت أبص على الأسم والرقم واتأكد إنها هي، بس الحكاية دي ليها أصل يعني.

الحكاية بدأت لما نزلت في يوم أجيب عيش من الفرن، بشكل عادي يعني ونازل بلبس البيت وكدة، قابلت البنت دي لجل الحظ والصدف عند نفس الفرن، سلمت عليها وقولتلها إنتي فين وكل الكلام اللي بيتقال في الوقت دة، بعدها أخدت رقم البيت عندها علشان ماكانش معاها موبايل ساعتها، روّحت كلمتها شوية وإنتهى اليوم.


البنت دي كانت جارتي، ومعايا في المدرسة وفي بنروح ونيجي كل يوم في نفس الباص، كانت لطيفة جدًا فعلًا وكنت بحب أتكلم معاها جدًا كمحفّز يساعدني على إكمال اليوم الدراسي لأخره.

في يوم آخر من الأيام، كلمتها على رقم البيت فقالت لي إنها نازلة بعد شوية وهتكلمني لما ترجع، كنت ساعتها مراهق فمأخدتش بكلامها تولع المهم أكلمها، فضلت أكلمها في البيت مابتردش، كلمتها من رقم الموبايل على البيت مابتردش، اضطريت أعمل حركة صايعة وذكية في نفس الوقت، كلمتها من سنترال، فردت، طبعًا قولت إني نجحت، كلمتها وقولت لها يا بنتي مابتروديش ليه وفهمت منها إنها كانت بره ولسة راجعه وقالت لي هو إنت اللي إتصلت من موبايل قولت لها أيوة.

بعد شوية لقيتها بتكلمني على الموبايل من رقم موبايل، فلما سألتها عن الحكاية دي قالت إنها جابت موبايل جديد، فرحت طبعًا وقلت دة أسهل، وفضلنا نتكلم وأنا كشفت لها عن كل مشاعري تجاهها وإني معجب بيها ونفسي نتقابل فهي وافقت إننا نتقابل وحددت الميعاد. ساعتها طلبت منها تجيب واحدة تانية معاها وأنا أجيب صاحبي على أساس إننا مانكونش لوحدنا لأن أنا شاب مراهق محافظ وبنات الناس مش لعبة وكدة.

قبل اليوم المتفق عليه لقيت المكالمة العجيبة دي، ساعتها حاولت أفهم، لقيت في تويست كبير حصل في النص وأنا أهملته تمامًا وحتى مافكرتش فيه، التويست بقى إن اللي كانت بتكلمني كل الفترة دي طلعت أختها الكبيرة، وقلقت لما شافت إن في حد لحوح وزنان بيتصل كتير، ولما طلع اللي بيتصل دة شاب وبيكلم أختها، سألتها مين دة فأضطرت تقول لها إن دة ولد جارنا بس بيتصل بيا وأنا مابردش وكدة.

ساعتها بقى إسترجعت كل الكلام اللي كنت بقوله، ولقيت إن عندها حق فعلًا تفهم غلط، مفيش كلمة تقريبًا إتقالت كانت ممكن تُظهر إن الشخص اللي بيتكلم دة نواياه سليمة ومايقصدش أي شيء غير أخلاقي خالص لكن المعاني كتير بتكون خدّاعة.

المهم إن الحكاية خلصت على خير وإتفاهمنا وأعتذرنا لبعض والحكاية إنتهت.

Moral of the story: حاول على قد ما تقدر لو بتكلم بنت تفرق بين صوتها وصوت أختها، وحاول كمان على قد ما تقدر تكبح جماح مشاعرك وماتعترفش بحاجة غير لما تكون متأكد إنها هي اللي على الناحية التانية من المكالمة.

Sunday, May 17, 2015

في الفصل، تجلس فتاة يقال عنها أنها مستهترة، وبعض الشائعات تقول أن أبوها منفصل عن أمها وأن أمها متزوجة من رجلٍ آخر، لذلك تعيش بشكلٍ مختلف، ترتدي جيبات قصيرة، تصفف شعرها عند الكوافير بالرغم من أنها لم تتجاوز الرابعة عشر من عمرها، تقول لصديقاتها أنها ترتدي بلوزات بلا ملابس داخلية بلا حياء ولا خجل. خلف الفتاة، يجلس هو وصديقه، في آخر الفصل، ينظرون إليها بإشتهاء غير مناسب لأعمارهم. قرر إحداهما مرةً أن يُكلمها فرفضت، والأخر يُحدثها ولكنهم ليسوا أصدقاء.

الساعة تقترب من الثانية عشر، باقي ساعة ونصف ويدق الجرس ليعلن إنتهاء اليوم الدراسي، يشعر الطالبان بالعطش، صيام رمضان يؤثر على معظم من في الفصل فينامون، إنها حصة الموسيقى ولا أحد يلتفت إلى الموسيقى أصلًا، ثم أن المدرس شخص شديد السخافة، فلننم إذًا، ذلك أفضل جدًا.

بعد لحظات، وسوست النفس للطالب الذي رُفض من قبل الفتاةِ أن يرد لها الصاع صاعين، فأخرج ورقةً صغيرة من كشكوله، وكتب عليها بخطٍ غير واضح "يا شرموطة" ووضعها في جيب حقيبتها بجانب القرآن الكريم، لكنه بعد مرور بعض الوقت أيقن أنها لن ترى الورقة الأن، فطلب منها القرآن كي يقرأ فيه قليلًا، ولأنه شهر رمضان الكريم لم تلتفت كثيرًا إلى هذا الطلب المفاجئ الغريب، فأخرجت القرآن من جيب الحقيبة وأعطته له.

أمسكت الفتاة بالورقة الصغيرة التي وقعت من الجيب فجأة، وفتحتها، لتنفتح أعينها على وِسعِهما، فوضعت يديها على فمها في ذهول، وقفزت مسرعةً إلى مدرس الموسيقى السخيف وهي ترتجف. أخذ المدرس منها الورقة، وقرأ ما كُتب فيها، فتوسعت عيناه هو الأخر عن آخرهم، وبدأ في الصراخ الهيستيري لأن هذا الشهر لا يجب أن يحدث فيه مثل هذة الأعمال، والصديق الفاعل لهذة الفعلة ممسك بالقرآن يقرأ فيه وكأن شيئًا لم يحدث.

بعد الكثير من الصراخ، طلب المدرس من جميع أولاد الفصل أن يحضرون في اليوم التالي كي يكتبوا أمامه كلمة من أختياره ليستطيع مطابقة الخط بالخط. في اليوم التالي كان الفاعل أول من وقف أمام باب غرفة هذا المدرس، لحق به صديقه وبعد زملائه في الفصل، وطرقوا باب المدرس، وعندما دخلوا إلى الغرفة قرر المدرس عدم أختبار أحدٍ منهم لأنه إستبعد أن يكون الفاعل من هولاء الذي أتوا قبل كل الناس بشجاعة، فإستثناهم جميعًا، وطلب منهم أن يبلغوا من لم يأتي أن يأتي قبل رحيله، لأنه لابد للفاعل أن يكون واحدٍ ممن لم يأتوا.

مرت الأيام، ونسي كل شخصٍ ما حدث، نسي الفاعل فعلته، ونسي المدرس الحدث الصارخ، ونسي الفصل كله كل شيء، لكن هناك شخصان فقط لم ينسو ما حدث، الفتاة التي تم إهانتها، والطالب الذى رأى كل شيء ولم يكن عنده الشجاعة لكي يفصح عن ما رأى.

Saturday, May 16, 2015

كل فترة في حياتي هي وِحدة واحدة خاصة بذاتها بعيدًا عن ما قبلها، حياتي كلها من أولها حتى الأن عبارة عن فترات، فترات منفصلة كحلقات مسلسل كل حلقة بتحكي قصة مختلفة عن ما قبلها. كل فترة لها بداية ولها نهاية، تبدأ من نهاية ما قبلها وتنتهي عند بداية ما بعدها، دون فواصل أو توقفات.

بقالي فترة كبيرة، ناجح _ولله الحمد_ في تثبيت حياتي بشكلٍ ما كمشاهد متكررة لا جديد فيها، بمعنى أصح مملة، لا تغيير، ولا خير ولا شر، كل شئ ثابت، لذلك عندما يطرأ أي جديد على حياتي بشكل مفاجئ بحس بخوف، بقلق مما سيحدث بعد ذلك، لأنه سيعلن نهاية هذة الفترة وبداية الفترة التي تليها.

المهم إن الفترة الحالية هي فترة مختلفة تمامًا، لا شيء جديد برضه، بس أنا حاسس بغضب غير مبرر، غضب من كل حاجة، ومن ولا حاجة، حتى بدون تفكير، يعني المفروض يسبق هذا الغضب تفكير في المستقبل اللي أصبح مبهم وضبابي ومعتم كوصف الآية الكريمة الغرق في الظلمات "
ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا ۗ "، أو الغضب من أنك تعرف يقينًا أنه لن يكون هناك نورًا في آخر النفق، بل أن النفق قد أُغلق من كل إتجاه ولا مجال للفِرار.

بعض اللحظات بتعدي عليا، بحس إني عايز أتخلص من كل شيء، ولحظات أخرى بحس إني عايز أتخلص من كل شيء، ولا يبقى إلا العدم، اللي هو في الأساس محور حياتنا، أو أرفع عن كاهلي كل ما أفكر فيه بالرغم من أنه تافه أو بلا جدوى. زي اللحظة اللي إمينم بيقف فيها قدام كل الناس في فيلمه الوحيد اللي عمله ويقول كل شيء في حياته يمكن للناس إنهم يذلوه بيه بكل قوة وشجاعة، وبعدين بيقلب الترابيزة عليهم، بطريقة صريحة جدًا، بيقول كسم كل شيء، زي ما بتصيبني لحظات بقول فيها كسم الحياة والموت والبلد واللي عايشين واللي راحوا واللي هيجوا، كسم كل لحظة ضعف أصابتني في موقف كان لابد فيه القوة، كسم قلة الحيلة والعجز والقهر في أشياء مالكش يد فيها، كسم كل حاجة فعلًا، الحب والكره والحكمه والعنف والضغط والفراغ، وكل شيء.

ساعات أفكر، إزاي دنيا إتخلقت أساسًا للزوال تكون صعبة بالشكل دة، بالرغم من إن يمكن ظروفي أقل صعوبة من ملايين البشر، أنا مُدرك دة، لكن أنا برضه عارف نفسي، وكل شخص له قدرة على تحمل مصائب ومصاعب الدنيا، بس طالما هي للزوال تبقى صعبة علينا ليه؟ ماحناش قاعدين فيها يعني، ولا مُخلدين، ويبقى إيه الفايدة من صعوبتها علينا طالما إحنا بشر على قدّنا يعني والإنسان ضعيف وكدة؟

الحقيقة إنه مفيش سبب علشان أقول كل الكلام دة، بس إحنا مش محتاجين نبرر كل شيء بنعمله، مفيش وقت للتبرير، وماحدش يستحق إنك تضيع وقت في تبرير شيء له هو أساسًا معترض عليه، أو حتى مش معترض، مفيش فايدة من التبرير.

بس أنا حاليًا، مفتقد حاجات كتير، عارف إن وقتهم عدى وفترتهم خلاص خلصت ولازم أستعد لفترة جديدة، لكن الحنين للأشياء اللي إختفت وأصبحت غير موجودة بيضربك فجأة وبدون مقدمات، وفي النهاية يعني، ما باليد حيلة، مفيش حاجة نقدر نعملها والله، كل شيء ثابت، لا إقتراب، ولا إبتعاد، وربنا _في النهاية_ قادر على كل شيء يعني.

Saturday, April 18, 2015

كالنقش على الحجر.

-1-

الصف الخامس الإبتدائي، في مكتبة المدرسة، نجلس على الطاولة المستطيلة، صفًا موجِهًا ظهره للكتب، وصفًا موجِهًا ظهره للصف الأخر، والكل ينظر في إتجاه التليفزيون. تختار المدرسة إحدى شرائط الفيديو الموجودة في المكتبة، تضعه في جهاز الفيديو وتبدأ التشغيل. يظهر على الشاشة إسم العمل، يبدو أنه كارتون قديم لا أعرف عنه شيئًا، حصة المكتبة من أمتع الحصص في تقديري، لأنها تمنحنا وقتًا بعيدًا عن الكتب الممله وتجعلنا نشاهد الرسوم المتحركة بكل حرية، لذلك، نحن نكره الكتب ونحب حصة المكتبة.

-2-

الصف الخامس الإبتدائي، حوش المدرسة، أجلس مع صديقي الذي يبكي، أحاول فهم سبب بكائه، يقول لي أن ميس غادة مدرسة المكتبة أهانته، نعته بـ"أبو راسين" لأن جبهته طويلة، أحاول أن أجعله يهدأ قليلًا، ولكنه يتجاهل كل محاولاتي ويستمر في البكاء، يسألني بعد ذلك "يعني إنت لو حد قال لك يا أبو راسين تعيط ولا ماتعيطش؟" أحاول الهروب من الإجابة على السؤال، لكنه أمرٌ لا يمكنني الهروب منه، هي أهانته بالفعل، لسبب تافه ربما لا أتذكر، لكنني أتذكر أنني سمعت أنها أعتذرت له فيما بعد، لكن الموضوع ظل عالقًَا في ذاكرتي، لماذا تأتي الإهانة من أكثر شخصية يجب أن تكون قدوة لنا جميعًا؟

-3-

الصف الأول الإعدادي، نجلس في غرفة الوسائط المتعددة، أحب هذة الحصة، لأنها ايضًا تبعدنا عن الكتب. تمسك المدرسة بمسطرة صغيرة تشرح بها تشريح العين على فيديو يفسر سبب نزول الدموع ومجراها، تقول أن الدموع يمكنها أن تنزل عن الفرح وعند الحزن، فأقول _في نفسي_ أنني أفهم جيدًا سبب نزولها عن الحزن، لكنني لا أفهم سبب نزولها عند الفرح. تكمل المدرسة الشرح، وكل من في الغرفة فرحين، لماذا نفرح هكذا لأننا بعدنا عن الكتب؟

-4-

الصف الثاني الإعدادي، في قبو مبنى آخر، يجلس أمامنا مدرس يقول أن هذة هي حصة المكتبة، ولكن لا توجد كتب ولا يوجد جهاز فيديو أو حتى جهاز كمبيوتر! المدرس يقول أنه كان ضابطًا بالقوات المسلحة سابقًا، شعره أبيض، حليق الذقن، يرتدي نظارات طبية ونظرة عيونة ترعبنا. يتحدث كثيرًا عن الحرب، والأسلحة، والقنابل، نشعر جميعًا بالملل، يقرر إحدى الطلبة أن يصفّر، فينتبه حضرة الظابط، ويقول بصوت جهوري "مين الحيوان اللي صفّر؟"، لا أحد يرد، فيقول "الحيوان اللي صفر أحسن له يقول، ولو ماقالش اللي جنبه يشاور عليه، لأن لو ماظهرش في خلال دقيقة كلكم هتضربوا عشر عصيان على إيديكم"، بعد ثوان، يخرج مسطرة خشبية عريضة، وينتظر، بعد قليل يرفع أحد الطلبة يده، ويقول أن الواقف بجانبه هو الذي أطلق هذة الصفّارة، فتحرك المدرس نحوه، وأمسك بقميصه، وظل يصرخ "إنت فاكر نفسك فين يا حيوان؟ في ذريبة؟ وديني لأربيك يا كلب" حاولنا تهدئته، وخلّصنا زميلنا منه، فركض زميلنا إلى الخارج، وهرب.

-5-

الصف الثاني الإعدادي، وفي نفس القبو الكئيب الذي يطلقون عليه المكتبة، وبينما نحن نجلس متراصين بجانب بعضنا على جانبين متقابلين، الأولاد في جانب والفتيات في جانب، يقرر حضرة الظابط أن يعاقب إحدى الطالبات على أنها وضعت "روج" أحمر خفيف على شفتيها، لم يكن يلتفت أحدٌ منّا أصلًا إلى أنها وضعت أي شيء، لكن سيادته بحواسة المتقدمة إلتقتها، فقرر أن يحرجها أمام الفصل كله، وقال لها "دي مش عمايل بنت محترمة، دي عمايل واحدة في كبارية في شارع الهرم" لم يشفع إحمرار وجنتي الفتاة لها عنده، فلم يتوقف وقرر أن يزيد من الشعر بيتًا فقال "دة أنا مراتي ماحطيتش أحمر على شفايفها غير لما وصلت الجامعة وحست إن طلع لها صدر" كان لهذة الكلمة الأخيرة وقعًا غريبًا علينا، فإتسعت عيوننا من صدمة الكلمة، ولم يستطع أحدٌ منا أن يتفوه ولو بكلمة، فقط نظرنا إليه وإلى الفتاة التي وضعت عيناها في الأرض وظلت صامته إلى أخر اليوم.

Sunday, March 29, 2015

في إنتظار من سيحمل معي الصخرة.

لم أعد قادرًا على أن أمرر الأيام بنفس السلاسة، تغير التفاصيل يفرض عليك نمط حياة معيّن، ومحدد، ولا تستطيع أن تحيد عنه، خط رفيع مرسوم على الأرض ومطلوب منك تمشي عليه ذهابًا وإيابًا يوميًا، دون أن تنزلق قدمك فتقع في القاع الذي تحاول الإبتعاد عنه.

سيزيف كان يعاني، كل يومٍ، يحمل صخرته فوق ظهره، ويصعد بها إلى القمة، وعند الوصول، تسقط الصخرة إلى القاع مرّة أخرى، فينزل ليلتقطها ويصعد مرّة أخرى، دون أن يفكر في يومٍ أن يجلس قليلًا، ثم يبحث عن من يساعده في حمل الصخرة للوصول إلى القمة والتأكد من تثبيتها هناك حتى لا تسقط مرّة أخرى. لكن سيزيف لم يكن ذكيًا بشكلٍ كافٍ، فعانى من الوحدة ضعف ما عانى من العذاب.

كل شخصٍ يحتاج إلى من يساعده في حمل أعباءه، لا أحد يحب حمل أعباءه وحده والمضي بها إلى مصيره، من البشر العاديين إلى الأبطال الخارقين الخياليين، وحتى الأنبياء، الأنبياء كان لديهم من يحملون معهم أعباءهم، سيدنا عيسى كان لديه الحوارييون، سيدنا محمد كان لديه الصحابة، حتى سيدنا موسى كان لديه هارون، كلٌ لديه من يحمل عنه قليلًا عندما يشعر بالتعب. أما أنا فمازلت انتظر، من سيحمل معي أعبائي، من سيحمل معي الصخرة، حتى أصل إلى القمة، واتأكد من أنها لن تسقط مرّة أخرى.

Saturday, March 28, 2015

1980 وانت طالع .. على فين؟

                                               





(1)

في البدء .. كان الحُلم ...

مجموعة شباب موهوبون، أصدقاء، يريدون أن يعبرون عمّا بداخلهم، تجاه أشياء تخصهم، وتخص جيل كامل من الشباب مثلهم، ولكن كيف يحدث هذا؟

(2)

تتصل بي صديقة، تخبرني بأنها ستذهب إلى عرض مسرحي إسمه "1980 وانت طالع"، جاء في مخيلتي مئات الإفيهات على هذا الأسم، معظمها اسئلة، لكنني فضلت أن أصمت، قالت لي أن الكثير من الناس يقولون أن هذا العرض مختلف وشديد الجمال، لم أهتم بصراحة، فقط كنت أعاني في هذا الوقت من ضائقة نفسية ومادية، عرضت عليّ أن أذهب معها هي وأصحابها، فرفضت الدعوة بحجة لا أتذكرها الأن، كان هذا منذ حوالي أربعة أشهر، أما الأن فكل الأمور تغيرت ...

(3)

ثم جاء التصوّر ...

يجلسون في المقهى، يتحدثون، عن الحلم، عن الهجرة، عن البطالة، عن الفساد، عن الزواج، عن السياسة، عن الأحداث التى تمر يوميًا أمام أعيننا بشكلٍ متتابع لدرجة أننا لا نستطيع أخذ الوقت الكافي للتعاطف معها بالشكل المطلوب. لماذا لا نقول كل ما نريده في عملٍ يجمع كل ذلك؟

(4)

منذ حوالي ثلاثة أسابيع، بدء الحديث عن هذا العرض مرّة أخرى، لكن الأمور تغيرت، أنا الأن أفضل حالًا، فلماذا لا أذهب إلى هذا العرض الذي يتحدثون عنه؟ لم أذهب إلى المسرح في حياتي مطلقًا، فلم لا أحاول إذن؟ ما المانع؟ إتفقت مع أصدقائي أن نذهب، حدثت بعض الأشياء التي أجلت ذهابنا، مرةً وراء مرة، فما العمل إذن؟ ...

(5)

ثم جاء وقت التنفيذ ...

مسرح صغير بإمكانيات صغيرة لعرض أسمه "1980 وانت طالع" يتحدث عن جيل كامل لم يأخذ حقه في الحياة _حتى الأن_ كما يجب، جيلًا أضاع الكثير من الوقت بين أشياءٍ كانت من المفروض أن تكون متوفرة دون عناء، لكننا جميعًا نمتثل للقدر، ونحاول جاهدين التكيّف، لكن دون أن نخسر أنفسنا.
قاعة صغيرة، ميكروفون واحد معلق في الهواء، وبعض الكراسي الفارغة، وجمهورًا من الأصدقاء والمعارف، يشاهد، يتفاعل، يضحك ويبكي، كل هذا يجعلنا سعداء، ولكن ما نحلم به يفوق هذا بمراحل ...

(6)

يوم الحضور، أخيرًا. حصلنا على التذاكر، ودخلنا إلى القاعة، تبدو بسيطة، عدد الجمهور كبير، أكثر من ربعمائة تذكرة، الكثير من الجالسين على الأرض في الأروقة بين الكراسي، المسرح ممتلئ عن آخره، وفي كراسي المقدمة، يجلس بعض المشاهير، لم أكن أتوقع أن أرى كل هذا النجاح لمسرحية في بلدٍ كسى الغبار فيها المسارح ونسج العنكبوت خيوطه على الكراسي وامتلأت الأروق بالوحشة والسكون.

جالسًا على الكرسي، بجانب صديقي الذي يشاهد المسرحية للمرة الثالثة في نفس الأسبوع، اتمنى أن يكون العرض جميلًا، لا لشيء إلا لأستمتع حقًا بالمسرح لأول مرة في حياتي. بعد قليل، بدأت فقرة من أغاني التسعينات، الوضع يبدو مطمئنًا، ربنا يستر.

(7)

ثم جاءت نقطة الإنطلاق ...

الكثير من الحضور، جمهور كبير، من بينهم فنانين، مثقفين، كُتّاب، نقاد مسرح، شخصيات عامة، الحلم يكبر، قاعة أكبر، وجمهورًا يزداد عدده يومًا بعد يوم، هل هذا ما كنا نحلم به حقًا؟ ام أن الحلم قد تحول إلى واقع.
الصالة ممتلئه عن أخرها، الوضع يبدو مطمئنًا، ربنا يستر.

(8)

تبدأ المسرحية، تنطفئ الأنوار، ويخيم الصمت على الجميع، يبدأ المشهد، ويبدأ الحلم في التحول إلى واقع.

شباب، قريبون منّي في العمر، يناقشون ما أناقشه مع أصدقائي في المقهى، تحكم الجيل القديم وتعنته وعدم تقبله لنا بإعتبارنا بشر يمكن أن يكون لنا أفكارنا الخاصة التي نحب أن نعبر عنها بحرية. يتنقلون من مشهد إلى مشهد، بمساعدة الإضاءة، والموهبة، والكثير من المجهود، تجد نفسك في أماكن مختلفة كثيرة في نفس الوقت، تشاهد نفسك أو على الأقل نموذج قد رأيته في محيطك الشخصي.

على الخيوط القوية التي نسجها المؤلف محمود جمال وأتم بناءها المخرج محمد جبر، يسير الممثلون الموهوبون بقدمٍ ثابتة، يتنقلون بين الدراما والكوميديا، بين الجد والهزل، بين الضحك والبكاء، بين سماء الحلم وأرض الواقع، بين كل المتضادات التى أعتدنا وجدها في حياتنا بشكل أصبح مألوفًا، يسيرون بين كل هذا ولا يخطئون الخطى.

(9)

ثم جاء النجاح ...

تتوالى العروض، على مدار أربعة سنوات، يعرف النجاح طريقه إلينا، الأن يمكننا تحقيق الحلم، الوقوف على قدمين ثابتتين في مواجهة كل شيء، الحلم، الهجرة، البطالة، الفساد، الزواج، والسياسة، الأحداث المتتابعة التى لا نستطيع اللحاق بها ومجارتها نفسيًا حتى، كل ذلك يتم تطويعه كل ليلة، كي يزيد العرض قوة، كي يؤكد العرض نجاحه.

(10)

أتابع بشغف أحداث المسرحية، الإسكتشات المضحكة، والإسكتشات المُبكية، والأوبريت الغنائي الجميل، كل هذا يبعث في النفس شعورًا بالسعادة، السعادة بوجود من يمكنه أن يتحدث بما تفكر فيه، يتحدث بلغتك، يلقي نفس النكات والإفيهات بنفس الطريقة التى تستخدمها أنت وأصدقائك، فلماذا لا أشعر بالسعادة بعد كل هذا؟

توقفت كثيرًا عند مشهد، هو مزيج بين الميلودراما والكوميديا، عن شابٍ أرهقته الدنيا بالسير على قدمية النهار كاملًا لليبيع ما يحمله في الشنطة التى جعلته ظهره محنيًا من كثرة ما حملها عليه، كي يستطيع فقط تحصيل مبلغ يمكنه عن طريقه أن يتزوج الفتاة التى صدقت أنه سيأتي يومًا ما ليطلب يدها وهي تكبر يومًا عن يوم وكلمات الناس تجرحها كسكين حاد يقطع كل يومٍ من جلدها لتنزف دمًا وتذرف الدموع بشكلٍ مكتوم.

يقرر الشاب في نهاية المشهد أن يخلع هذه الشنطة ويقذفها بعيدًا لتذهب هي وأحلامه التى صدقها هو الأخر بعيدًا عنه، لكنه لم يستطع أن يلتزم حتى بترك كل شيء، لأنه يعرف أن عاقبة الترك أشد وطأة من عاقبة التمسك بحلمٍ غير موجود، فيمسك بالشنطة ليمسك بأخر طرفٍ من الخيط الذي خطه في الهواء، ليعيد الكرّه _كجيله كله_ مرّة أخرى، كلاكيت تاني مرة، دون إعادة ولا فواصل.

* المسرحية تأليف محمود جمال، إخراج محمد جبر، بطولة: (حاتم صلاح، محمد العتّابي، أحمد الليثي، إيهاب صالح، سمر نجيلي، عاصم رمضان، مروة الصباحي، محمود عبد العزيز زيزو، مصطفى محمد، على حميدة ومحمد خليفة)

* تعرض المسرحية على مسرح الهوسابير بالقرب من شارع الجلاء - ميدان رمسيس يوميًا تقريبًا في الساعة الثامنة مساءًا .. تذكرة الدخول بعشرة جنيهات للفرد.

Thursday, January 15, 2015

ندوة الفنان مصطفى حسني.

كافيتريا ساقية الصاوي، أقف مع صديقي في محاولة لتقارب وجهات النظر بيننا وبين إحدى البنات المنتقبات الحاضرات لندوة مصطفى حسني.

كان ذلك في 2012، فترة الإبتذال الأعظم في حياتي بعد فترة تامر حسني، قررت الذهاب إلى الندوة رغم إعتراض صديقي على ذهابنا، لكنني أردت الذهاب بإصرار، كانت الندوة مجانية، فقلت لا بأس، لنرى ما يقوله مصطفى حسني في الندوات، عندما إقتربت من الساقية، وجدت صفًا ممتدًّا من الباب الخارجي حتى الباب الداخلي للقاعة، معظم الواقفات فتيات، مع إستثناء بعض الشباب الذين يقفون في أماكن متفرقة بجانب الطابور، وبالرغم من هذا الزحام، قررت إستكمال التجربة، حتى النهاية.

تحرك الطابور للأمام، إقتربنا قليلًا من الباب الداخلي للقاعة، المكان مزدحم للغاية، هناك سلمًا يجب أن تصعده حتى تصل إلى باب القاعة، في أول السلم، يتفرق الطابور إلى ثلاثة طوابير أخرى لصعود السلم، في هذة البؤرة من الجحيم، لا مكان للتنفس، فمحيطك الشخصي يشاركك فيه أربعة أشخاص على الأقل من كل جانب، تسير بقوة الدفع، ملتصقًا بمن أمامك ومن خلفك، بغض النظر عن جنسه، فإذا تحرشت بمن أمامك أو تحرش بك من خلفك بدون قصد، فلا تقلق، فأنت على باب الندوة التى ستوصلك للجنة بإذن الله.

عندما وصلنا إلى الباب الداخلي للقاعة، سمعت المنظمين يصرخون "إقفلوا الباب، خلاص القاعة مابقاش فيها مكان، إقفلوا الباب بسرعة" عندما سمع إحدى الشباب هذا القرار، ركض بسرعة نحو من يغلق الباب، وأمسك بالباب ودفعه ليفتحه مرة أخرى، ليدخل الكثيرين مدافعين في مشهد مشابه لوصف مشهد الحشر أثناء القيامة، صرخات تصدع في أركان الكوبرى الموصول بالقاعة، كل شخص يركض وحده، دون الإلتفات لأصدقاءه أو من معه، كأنهم جميعًا جاءوا فُرادى، لمحاولة لحاق آخر وفد يدخل الجنة.

دخلنا إلى القاعة التى كانت بالفعل مزدحمة ولا يوجد بها موضع قدم بالقرب من المسرح، كل الكراسى مشغولة، الغالبية العظمى من الجالسات فتيات، أما الشباب فيقفون بجانب الحمّام أعلى القاعة، لم يتحمل صديقي الوقوف بجانب الحمّام، فإبتعدنا إلى أن وصلنا للنيل في آخر القاعة، لم أعد أرى مصطفى حسني، الذى جاء متأخرًا بعد وصلة من أغاني حمزة نمرة على الدي جي، وأعتذر عن وصوله متأخرًا، بإن قام ووقف لمدة لا تزيد عن خمس دقائق وجلس مرّةً أخرى. شعرت في هذة اللحظة إنني أمام فنان لا داعية، فنان له دراويشه، لا داعية له مريديه ومحبيه.

عند الكافيتريا، شاشة عرض كبيرة تعرض الندوة، فقررت أنا وصديقي أن نجلس على المقاعد الخرسانية المقابلة للشاشة، لكننا لم نطيل الجلوس، فقد جاءت لنا إحدى الفتيات الغاضبات تحدثنا عن خطأ جلوسنا هنا لأن هذا المكان "مخصص للفتيات اللاتى يرفضن الأختلاط، وجلوسنا هنا هو إختلاط صريح ومرفوض" فحاولت أن أفهمها أن هذه القاعة، بهذه الأرض التى نقف عليها، ملكًا للفتيات بالأساس، وأننا هنا ضيوف، ونريد منهم فقط أن يكرمونا،  لكنها لم ترضى بهذا، فقالت لنا "إتفضلوا من هنا لو سمحتوا"، فحاولت ألا أفقد أعصابي مع هذا الأسلوب المتعجرف في الحديث، فحاول صديقي تقريب وجهات النظر، لكنها لم ترضى، فتعصبت وسرت بإتجاه الباب وأنا ألعن الندوة ومصطفى حسني والمنظمين جميعًا.

خرجت إلى الشارع، فوجدت عددًا كبيرًا بالداخل، منتظرين أن يعطف عليهم أحد من خُدّام الندوة ومنظميها، ويدخل إلى الندوة المجانية، التى بالتأكيد ستكون أول الطريق إلى الجنة. قررت السير عكس إتجاههم، لأصل بصعوبة إلى باب الخروج من الساقية، عندما وصلنا إلى الباب، توقفت، لألتفت إلى صديقي وأسأله "هنعمل إيه دلوقتي؟" فرد عليّ "هندوّر على مكان ناكل فيه، أنا جعان وماكلتش من الصبح" فرأيت أن الطعام بالتأكيد سيكون أفيد الأن، فخرجنا نبحث عن مكان نأكل فيه، وفي داخلي ألعن اللحظة التي قررت فيها المجئ إلى هنا.


                                                         

أركن إلى المجاز الأقرب والأوضح، لضعف ما امتلك من حصيلة معرفية ولغوية وزخم شعوري تجاه العالم، فالوحدة هي الصحراء الواسعة، والظمأ الأرض ا...