Saturday, November 8, 2014

البحث عن نقطة التماس.

هناك بعض الأثار الجانبية التي قد تظهر عليك كنتيجة طبيعية للوِحدة الإختيارية، والذكريات، والحنين إلى الأيام التي مضت ضمن هذه الأثار وتضرب جزء الذاكرة بقوة دون سبب واضح أو معروف، وبلا أي إعداد سابق، فقط تجد أنك تتذكر ما لم تكن تتذكره.

أتذكر أننا في إحدي سنوات الدراسة، تحديدًا منذ أكثر من سنة ونصف، طرأ علينا تغيرًا لم يكن محسوبًا، أو كان بداعي عمل شيء له هدف بعيدًا عن الدراسة فقط، فأشتركنا جميعًا في إحدى المؤسسات التنموية تهدف إلي تنمية المجتمع عن طريق سحل بعض الشباب المتحمس في أعمال هي في المقام الأول من مهام الدولة ومشكلاتها، لكن لا بأس ببعض المساعدة التي ستحقق ربحًا، في النهاية، نفسيًا للشباب وماديًا للدولة، لكن ليس هذا ما أريد أن اتحدث عنه، أريد أن اتحدث عما كان يحدث على الجانب بالتوازي مع هذه الأعمال التنموية.

إشتراكك في هذه المؤسسات سيوسّع من دائرة معارفك بلا شك، فالمساعدات الإجتماعية تخلق ايضًا علاقات إجتماعية موازية، هذه العلاقات الإجتماعية التي تبدأ بالخط الزمني الطبيعي لها، فتبدأ كعلاقة سطحية، ثم تنتقل إلي علاقة زمالة أو تفاعل العمل، ثم علاقة صداقة قد تطول وقد تتحول بشكل مفاجئ إلى علاقة إعجاب من أحد الأطراف أو الطرفان معًا، وقد تحول، في نهاية الخط، إما إلى علاقة عاطفية أو حب، وإما أن تفشل وتعود مرة أخرى لشكلها الأصلي ما قبل العلاقة من الأساس.

وهذا ما حدث تقريبًا مع كل من أعرفهم في هذه الفترة، وحتى من لم أعرفهم بشكل شخصي، ممن يدخلون إلى هذا العالم دون ترتيب واضح، قد حدث معهم نفس الشيء، لكن ايضًا هذا ليس مقتصرًا على من بداخل هذة المؤسسات فقط، بس كل من له علاقات إجتماعية مع الجنس الأخر في أماكن الدراسة، سواء في المدارس أو الجامعات، الأمر فعلًا ليس مقتصرًا على مكان بعينه، بل على هذه الفترة، فترة نهاية المراهقة وبداية الشباب.

فترة نهاية المراهقة وبداية الشباب هي فترة مُرهقة جدًا، شديدة التأثير في النفس، فترة محمّلة بقدر ثقيل من المشاعر التي تضرب بغير ميعاد، ويعتبرها بعض علماء النفس من أهم فترات الإنسان بعد فترة الطفولة. فتجد انك وكل من حولك قد تحولتم إلى البحث عن ما تفتقدونه في هذة الفترة، البحث عن مشاعر تشعر أنها صادقة، تشعر أنك تختبرها ولأول مرة، تجد نفسك، ولأول مرة، تبحث عن نقطة التماس بين خط المشاعر بداخلك ودائرة معارفك.

نقطة التماس هي نقطة الإلتقاء بين الخط والمنحنى أو الدائرة، وهي نقطة على حدود الشكل أو المنحنى، تشترك في تماسها مع الخط المستقيم بجانبها، لكنه لا يتقاطع معها، لا يتداخل، بل فقط يمسها من الخارج، فتجد نفسك مشغولًا، في هذه الفترة، بالبحث عن هذة النقطة التي قد تتيح لك التعبير عن هذة المشاعر دون تداخل أو تقاطع بينك وبين إحدى نقاط دائرة معارفك، فقط تسمح لك بالقليل الذي يمكن أن تعتبره المطلوب في هذة الفترة، من كلمات الغزل الغير صريح، والمشاعر الغير معلنة بشكل واضح، والتخبط في الكلمات ومحاولته إختيار الكلمة المناسبة قد الإمكان، حتى لا تجد نفسك خارج حدود الدائرة، والعودة إلى نقطة الأصل الصفرية والبحث من جديد عن نقطة تماس أخرى.

ولأننا في الأصل مخلوقات عشوائية، بلا ترتيب، بلا هدف، فهذه الفترة قد تكون أكثر الفترات العبثية التي قد نقابلها في حياتنا، فترة محمّلة بقدر كبير من المشاعر الغير معلنة، ولا سبيل واضح لأعلانها لأننا لا نعرف تعريفات محددة لعلاقاتنا ولا نعرف حدودًا لها، فكيف لهذه الفترة إذًا أن تكون متزنة ومرتبة، وهذا ما حدث بالفعل، الكثير من العلاقات المرتبكة، بل شديدة الإرباك، التي نشأت، والأحاديث الجانبية، والأحاديث السرية التي يتم فضحها بسهولة لأنها ماتزال داخل حدود الدائرة، فلا توجد أسرار بداخل الدائرة إلا مع الذي يستطيع أن يحتفظ بها لأطول فترة ممكنة، فإذا خرج السر من بين اثنين لم يعد سرًا.

ما يترتب على هذة الفترة قد يكون تغيرًا في نظرتك الشخصية للأشياء، للتعريفات، للحب، للصداقة، للمسافات بينك وبين من في الدائرة، ستجد أن بعض الأشخاص سيفضلون الإبتعاد حين ظهور نقطة تماس خاصة بمشاعرهم، وستجدون الحديث، فيما بينكم سيكثر عن كيفية تعاملة معكم بعدما وجد نقطة المماس الخاصة به، فإذا فقدها يعود كطائرٍ يبحث من جديد عن السرب الخاص به.

وأنواع من هم داخل الدائرة مختلفة ومتباينة بشكلٍ واضح، فمنهم من يعجب بالأخر فقط كي يجد الدفء الذي يفتقده في علاقاته الإجتماعية الأخرى أو كتعويضًا للنقص بداخله، ومنهم من يبحث عن فرصة حقيقية، ومنهم من مر بعلاقة عابرة فاشلة في سنوات مراهقته الأولى اثرت به لدرجة جعتله يضع هذة العلاقة كمقياس لعلاقاته الأخرى المستقبلية، ومنهم من يهاب الأقتراب، ومنهم من يحتاج هذا الأقتراب كي لا يشعر بالوِحدة، ومنهم من قد يعجب دون سبب واضح لذلك.

ما رأيته في هذة الفترة المربكه كان أكتر من أن يُحمل على نحو أنها مجرد أحلام مراهقة أو بدايات ضعيفة لقصص لن تكتمل، فكل من حولك يتغيرون، حتى أنت تتغير، ولا تعرف من أين يأتي هذا التغيير، هل من هذه القصص غير المكتملة التي تترك اثرًا ولو بسيطًا في النفس، أم أنه واحد من العلامات لهذة الفترة بكل ما فيها من مشاعر غير مرتبه، لكنه يحدث في النهاية.

عمومًا لا تيأس ولا تبتأس، فلكل شيء نهاية، وأنا لا أحب النهايات، لكن لا شيء يبقى للأبد، بعض الأشياء يمكن تعويضها، وبعضها لا يمكن تعويضها، كأن يتم كسر شيء بداخل تجاة المشاعر بسبب علاقة انتهت ولم يُكتب لها النجاح. دائمًا كنت أتعجب، كيف يستطيع منير أن يقول في أغنية عمر عيني أنها كانت "أحلى بداية ونهاية" كيف أستطاع _هو ومن كتب الكلمات_ أن يجمعا كلمة أحلى مع كلمة نهاية في جملة واحدة؟ لأنه ببساطة لم يشعر أنه أخطاء، بل أنه جعل من هذه الفترة، بكل ضعفها، نقطة قوة لما سيقابله في المستقبل، فالنهايات يمكن أن تكون بالفعل جميلة، إذا أستطعنا أن نتعلم منها أن من نتائجها الحتمية الزوال، ولا شيء يبقى للأبد.

Friday, November 7, 2014

شارع المعز: حكايات من قلب قاهرة المعز وجوهرُه.

 في صيف 2012 كانت المرة الأولى التي نقرر فيها أنا وأصدقائي الذهاب إلي شارع المعز في القاهرة الفاطمية التي لم أكن أعرف عنها شيء غير أن بها عددًا كبيرًا من المساجد لهذا يُطلقون عليها بلد الألف مأذنة، يمكنك إدراك هذه الحقيقة عن طريق الوقوف أمام مسجد محمد علي في قلعة صلاح الدين بالقاهرة.

شارع المعز يعتبر أكبر متحف مفتوح للأثار الإسلامية في العالم العربي وربما في العالم، يبدأ من باب زويلة في الجهة الجنوبية منه ويمتد حتى باب الفتوح والنصر في الجهة الشمالية، وما بين البابين الكثير من المساجد التي يمكن رؤيتها لحظة دخولك إلي الشارع من أي بابٍ منهم.

                                                          




عندما ذهبت أول مرة، لم يعنين كثيرًا أن أعرف من هو المعز لدين الله الذي سُمي هذا الشارع على أسمه، فقط أردت رؤية هذه المساجد والأثار الموجودة في الشارع، لكن بعد ذهابي إلي الشارع للمرة الخامسة أو السادسة قررت أن أعرف من هو، المعز لدين الله هو رابع الخلفاء الفاطميين والذي ارسل جوهر الصقلي على قيادة الجيش لفتح مصر والإستيلاء عليها من الحكم العباسي في ذلك الوقت، ونجح جوهر الصقلي في فتح مصر وإنشاء القاهرة تقريبًا سنة 969 ميلاديًا، حيث أنشاء الجامع الأزهر أول جوامع القاهرة الفاطمية.

بعد ذلك ببضع سنوات، تقريبًا سنة 972م، ارسل جوهر الصقلي رسالةً إلي المعز لدين الله يقول له أنه يرى أن الوقت مناسبًا جدًا لأنتقاله للقاهرة، فأنتقل المعز لدين الله إلي القاهرة وأقام بها حكومةً قوية وجعلها مركزًا للحكم الفاطمي قبل أن يتوفى بعد ذلك بثلاث سنوات، تحديدًا سنة 975م، وقد سمُي الشارع بأسمه منذ دخولة القاهرة الفاطمية حتى وقتنا هذا.

ما لفت نظري عندما ذهبت أول مرّة إلى الشارع أنه كان مرصوفًا بالحجارة، لم يكن مرصوفًا بالأسفلت كما هو حال معظم الشوارع في القاهرة، علمت بعد ذلك أن الشارع قد رُصف بالحجارة في وقت ترميمه سنة 2008م، وتم كذلك ترميم الكثير من الأثار التى تأثرت بأثر زلزال 1992م.

                                                   



أتذكر أن أول ما رأيت في الشارع بعد الأبواب وبعد منطقة خان الخليلي كان مسجد ومدرسة الناصر محمد بن قلاوون، والناصر محمد بن قلاوون هو تاسع سلاطين المماليك، حكم مصر أول مرة سنة 1293م ولمدة سنة، إلا أنه جلس على عرش السلطنه مرّةً أخرى سنة 1299م، بعد خلع الملك العادل المنصوري الذي كان قد بدأ في بناء هذه المجموعة قبل أن يُتمها الناصر محمد بن قلاوون سنة 1304 وتُنسب إليه.

                                              


يُقال أن هذه المجموعة كانت عبارة عن جامع ومدرسة لتعليم أبناء أهالي القاهرة بعد أن بطش بهم الناصر محمد بن قلاوون لمدة أربع سنوات تقريبًا أمر فيها جيشه بقطع رأس من يظهر عليه أنه معترض على سياسته أو أوامره، فكانت هذه المجموعة بمثابة مصالحة منه لأهل المنطقة والتي كانت تحتوي ايضًا على مستشفى ودار لرعاية الأطفال اليتامى والفقراء.

اتذكر أنني عندما رأيته أول مرة لم يلفت إنتباهي غير واجهة المسجد الممتدة والتي يتوسطها باب مكسو بالرخام والزخارف المتناسقة بشكل هندسي شديد الإبداع، لكن بداخل المسجد لم يكن الأمر كذلك، فلم يبق من إيواناته الأربعة غير إيوانين فقط، والإيوان هو عبارة عن صحن مكشوف بلا أبواب قد تتوسطة فسقية كما هو الحال في هذه المجموعة.

                                                 


بعد السير قليلًا في الشارع بإتجاه باب الفتوح، بالتحديد بعد منطقة النحاسين، رأيت واجهة زجاجية كبيرة خلف بعض الزخارف الرخامية المزخرفة بعناية والتي تعطي للواجهة شكلًا مميزًا عن باقي الوجهات، كان هذا _كما علمت وقتها_ سبيل محمد علي باشا الذي انشأه صدقة على روح ولدة إسماعيل باشا. عند دخولك من البوابة ستجد دهليزًا صغيرًا به على اليسار فتحتان، واحدة تصعد بها إلي غرف فارغة إلا من النجف الضخم، والأخرى تنزل بها إلى خزان السبيل الذي يبلغ سعته حوالي 455 ألف لتر، أي أنه قد يكفي لملء حوالي مليون ونصف كوب ماء.

                                                 


بالسير قليلًا تجاه باب الفتوح، وبعد الدخول إلى عطفة على اليمين، دخلنا إلي بيت السحيمي، والذي سُمي بأسم آخر من كان يسكنه، هو الشيخ محمد أمين السحيمي، والبيت هو عبارة عن بيت عربي يعتبر الأن من المعالم الأثرية المشهورة للشارع، يطل البيت على صحن كبير مزروع ببعض الأشجار والنباتات، في الطابق الأرضي يمكنك رؤية المداخل المتعددة إلي البيت والتي تؤدي بك في النهاية إلى الدور الأول من البيت، عندما دخلنا أحد المداخل وجدنا إيوانًا يتوسطة شريط طويل كُتب عليه أبياتًا من الشعر عرفت بعدها أنها أبياتًا من قصيدة البردة للبوصيري على حسب ما علمت بعد ذلك.

                                               


في الدور الأول رأيت جلسة في أحد الغرف تشبه جلسة العرب يتوسطها صحنًا كبيرًا من النحاس، وبعدها غرفة لا يوجد بها غير بعد الدواليب غير المستعملة والكثير من الشبابيك المغطاه بالمشربيات والتي تطل على صحن البيت والتي أيضًا علمت في ما بعد أنها كانت مخصصة للحرملك كي تطل منها النساء على السهرات التي كانت تعقد في صحن البيت الذي يعتبر علامة مميزة جدًا في شارع المعز.

                                            


بعد إستكمال السير بإتجاه باب الفتوح، رأيت مسجدًا يبدو عليه أنه ليس من معالم هذا الشارع في شيء، فهو مسجد صغير جدًا يبدو منكشمًا وسط المساجد الضخمة حوله والتى تطل عليه من جميع الجهات، كان هذا هو مسجد الأقمر أصغر مساجد القاهرة الفاطمية على الإطلاق، واجهة المسجد هي ما يميزه، فهي واجهة مزخرفة ببعض الزخارف الإسلامية لكن إذا لم تدقق النظر بها فسوف يعطيك أنطباعًا أنك أمام واجهة معبد وليس مسجدًا.

                                           

                                       


أكملنا المسير بإتجاه باب الفتوح عندما رأيت بالقرب منه أهم وأشهر جوامع المنطقة على الإطلاق الأن وهو جامع الحاكم بأمر الله، والحاكم بأمر الله هو سادس الخلفاء الفاطميين، ويُعتبر ايضًا من أقواهم وأشدهم بأسًا وحكمًا، والذي أشتهرت عنه حكاية منعه لأكل الملوخية للعامة لأنه يعتبرها أكله ملوكي لا تليق إلا بحاكمٍ مثلة، ولم يكن هذا أغرب المراسيم التي أصدرها، فقد منع ايضًا عجن الخبز بالأرجل، وذبح الأبقار التي لا عاقبة لها أو التي تصلح للأستخدام في الحرث إلا في مواسم الأضاحي فقط.

مسجد الحاكم بأمر الله تم البدء في بناءه على يد العزيز بالله الفاطمي سنة 989م، واتم بناءه ابنه الحاكم بأمر الله سنة 1013م تقريبًا، ويعتبر هذا المسجد هو ثاني المساجد إتساعًا في القاهرة بعد مسجد ابن طولون، يقع المسجد على مساحة 120 متر طول و113 متر عرض، عند دخولي إلي المسجد أول مرة رأيت صحنًا واسعًا جدًا يتوسطة ميضة للوضوء والكثير من أسراب الحمام الموجودة على أرضيته الرخامية بيضاء اللون والتي كانت مريحة للعين بشكل كبير، أما عن المسجد فبه الكثير من الأروقة التي يمكنك السير فيها إلى أن تصل إلى الرواق المقابل لمدخل المسجد والتي يمكنك الجلوس به أو الصلاة كيفما شئت، كما يمكنك رؤية أعداد كبيرة من المهاجرين والسياح في صحن المسجد يصلون أو فقط يجلسون لألتقاط الصور في هذا المكان الرائع بحق.

                                                



بعد جلوسنا بالمسجد لمدة، قررنا الخروج والإتجاه إلى باب الفتوح للخروج شارع المعز الذي يعتبر من امتع الأماكن للخروج لقضاء وقتًا طيبًا في قلب قاهرة المعز وجوهرُه، بجوامعه ونحاسينه ودكاكينه التي تنتشر على جنباته في كل مكان.


*المصادر:
- وكيبيديا.
- كتاب "القاهرة: جوامع وحكايات" لحمدي أبو جُليّل. الهيئة المصرية العامة للكتاب.                                             


Wednesday, November 5, 2014

هكذا كانت الوحدة.

في الشهر الماضي، وتحديدًا قبل العيد، أتخذت قرارًا بالإبتعاد عن الموقع الأكثر شهرة بين مواقع التواصل الإجتماعي، لم أكن مكتئبًا، لم أكن حزينًا، لم أكن مشغولًا، فقط أردت الإبتعاد قليلًا والأكتفاء ببعض منصات التواصل الأقل كفاءة بالنسبة لي على الأقل.

ما حدث في هذا الوقت كان انني أنفصلت بشكل فعلي عن العالم، فأصبح العالم هو غرفتي، لا أعرف شيئًا مما يحدث خارج حدودها غير القليل جدًا، وبصراحة لم أكن مهتمًا أن أعرف ما يجري بعيدًا عني. ومن يعرفني جيدًا يعرف أن هذا ليس من طبعي في شيء، فقد كنت متواجدًا تقريبًا طوال اليوم على مواقع التواصل، فأنا أكره الوحدة، أكره الإبتعاد عن البشر إلا في ظروف استثنائية، عدا ذلك كنت متواجدًا تقريبًا بشكلٍ دائم.

والحقيقة إن قراري بالإبتعاد عن هذا كله لم يكن له سببًا واضحًا، فقررت أن أخلق له بعض الأسباب حتى يكتسب شرعيته كفعل مُسبب ومُعترف به، فما الأسباب التي يمكنني أن أفكر فيها كي يكتسب هذا الفعل شرعيته الكاملة؟

يقول البارون مونشهاوس في أطروحته التي شرحها الفيلسوف الألماني هانز ألبيرت أن الأفعال يمكن شرحها عن طريق ثلاثة إحتمالات للأسباب يمكن أن تكون مقبولة، الإحتمال الأول أن يكون الفعل نتيجة لتراكمات قديمة ترسبت في النفس فنتج عنها في النهاية هذا الفعل، الإحتمال الثاني أن يكون هذا الفعل نتيجة لمحاولة رجوع الشخص إلي المرحلة التي سبقت هذه المرحلة في حياته، كأن يتوقف عن حب من يحب ويعد إلي مرحلة ما قبل أن يحبهم، والإحتمال الثالث والأخير هو أن يكون الفعل يدور بداخل دائرة مغلقة، أي أنك تفعل هذا الفعل لا لشيء إلا لمجرد فعله، أي أنني أريد أن أركض لمجرد أنني اريد أن أركض.

لنعتبر أن السبب الذي دفعني للإبتعاد عن معظم مواقع التواصل الإجتماعي هو الإحتمال الأول، وأن هناك تراكمات كثيرة من قصصٍ وحكايات غير مهمة بالنسبة لي على الإطلاق، وأن هذه القصص قد كثُرت بشكل أدى إلي أنني أردت الأبتعاد عنها والتركيز في أي شيء يخصني فقط بعيدًا عن ما يخص غيري من الأشياء.

أو أنه الأحتمال الثاني، مجرد محاولة مني للرجوع إلى حالة الوِحدة التي كنت عليها قبل أن ادع القلق وابدأ الحياة وأكسب الأصدقاء وأؤثر في الناس كما قال كارنيجي، فيبدو أن كارنيجي فشل معي في إقناعي أن كسب الأصدقاء والتأثير في الناس يمكن فعله عن طريق الإهتمام بهم على حساب ما تهتم به أنت شخصيًا، فقررت ترك كل هذا، قررت ان ادع الحياة وابدأ القلق مرةً أخرى.

أو أنه الإحتمال الأخير، أنني أغلقت الدائرة على نفس فأنتقل العالم بأكمله إلي غرفتي ولم أعد أهتم بما يحدث خارجها لمجرد أنني أردت أن أفعل ذلك، ففي الحقيقة ليس هناك سببًا واضحًا لما أفعله فيمكنني إحالته إلي هذا الإحتمال الذي يبدو متماشيًا ومتناغمًا مع أي فعل فعلته في يومٍ ما وأي فعلٍ قد أفعله في المستقبل.

أما السبب الذي أريد أن أصدق أنه السبب الحقيقي وراء هذا الإبتعاد هو أنني أحاول التعوّد على الوحدة، على إنني سأكون في يومٍ من الأيام وحدي بلا أي تواصل من أي نوع، كيف سأتعامل مع هذا الظرف إذا لم أكن مستعدًا له، فالوحدة فالنهاية تعتبر ظرفًا لابد منه، لابد وأنك في يوم من الأيام ستكون وحدك، ماذا لو فُرضت عليك الوحدة في يومٍ من الأيام؟ ووجدت نفسك في عالمٍ غريب عنك، لم تألفه ولم يألفك، ماذا ستفعل حينها؟ هل ستشعر بالخوف؟

الغريب في الأمر، والذي حدث عكس ما توقعت تمامًا، وعكس الذي كان يحدث قبل شهور قليلة، أنني لم أشعر بالخوف في الوِحدة، بل وجدت بها راحةً أكثر من راحة الجماعية، فلم أشعر أنني افتقد أحدًا، وتقريبًا لا أحد يفتقدني أيضًا، لا أعرف، ولم أهتم أن أعرف، ولم يعد يعنيني هذا، ربما تكون هذه المرحلة هي مجرد مرحلة قصيرة المدى وستنتهي في وقتٍ ما، لكن في حقيقة الأمر، أنا لم أعد أهتم إن كانت ستنتهي أم لا، لكنني أتمنى لو انتهت، أن أجد ما يمكن أن يكون مهمًا، أن أجد يجعلني أهتم، أو يهتم، أو على الأقل يُظهر ذلك، عدا ذلك، ستبقى الوِحدة، ولا شيء غيرها.

Monday, October 13, 2014

8 نصائح كي تعيش شبه آمن في هذه البلد.

كل بلاد العالم لها كتالوج تعريفي عبارة عن بعض النصائح من أهل البلد لك كي تستطيع العيش بسهولة بها وتندمج مع أهلها هذه بعض النصائح التي قد تساعدك شبه أمن في هذه البقعة من بقاع الأرض التي يطلق عليها أهلها بلد الأمن والأمان، اتمنى أن تساعدك.

1- عليك أن تكون ذكرًا: 

أول خطوات النجاح في هذه البلد أن تولد ذكرًا، فهذا يمنحك بعض الأمتيازات التى قد تحرم منها كونك خُلقت انسانًا تنتمي إلي فصيلة الإناث. هذا ايضًا لن يمنحك الراحة الأبدية، ستواجه الكثير من الضغوط والمعارك الصغيرة والكبيرة وعليك التعامل معاها، لكن كل هذا لن يكون بقدر الضغط التي تتعرض له الأنثى، فالافضل لك أن تولَد ذكرًا.


2- عليك أن تكون أبيض اللون:

هذه البلد تنفي عن نفسها تهمة العنصرية دائمًا، نعم لن تعامل كما كان يُعامل السود في أمريكا في الخمسينات والستينات وما قبل ذلك، ولكنك قد يُجرح شعورك ببعض الكلمات التى قد يطلقها بعض المواطنون عليك فقط لأن لون جلدك مصبوغ بلون مختلف عن الأبيض أو القمحي، ستجد من يناديك بـ"يا زول، بكار، سمارة، محروق، فحم، كاوتش، الليلة السودة، مضلم، نهارك زي وشك" فلكي توفر على نفسك عناء هذه الكلمات عليك أن تولَد أبيض اللون.


3- عليك أن تكون متوسط الحجم:

الأفضل لك كي تعيش حياةً مريحة أن تكون متوسط الحجم، لا طويل ولا قصير، لا ثمين ولا نحيف، فقط متوسط الطول والحجم، لأن أيًا من الأحجام الأخرى يتعرض بشكل مباشر وغير مباشر إلى السخرية والاستهزاء بطريقة فجة يفترض أن تكون مضحكة، يستحسن ايضًا أن تكون ممن يمارسون الرياضات المختلفة، ويسحتسن ايضًا أن تكون هذه الرياضات عنيفة، هذا سيوفر لك قدرًا لا بأس به من الأمان، عليك أن تكون متوسط الحجم.


4- عليك أن تدين بدين الدولة:

عزيزي المواطن، كلنا سواء أمام القانون، وهذه البلد تفخر أنها وبالرغم من وجود عدد كبير من الديانات بها، ديانتان، إلا أننا في تاريخنا الحديث والقديم لم تحدث أي حروب طائفية، حتى قبل رحيل الديانة الثالثة، فنحن شعب عريق الحضارة ونعرف الأديان من قديم الأزل، ولكن بالرغم من ذلك ستجد بعض المتاعب كونك تتبع ديانة مختلفة عن ديانة الدولة الأساسية، ذلك أفضل جدًا، ولكن ايضًا كونك تنتمي إلي الدين الأساسي رقم واحد في الدولة لا يعفيك من المتاعب، فعليك الأخذ به كما هو، دون محاولة للتأويل أو التفكير، صدقني ذلك أفضل جدًا، عليك أن تدين بدين الدولة.


5- عليك أن تصادق بعد البلطجية:

لا تنزعج، نعم عليك مصادقة بعد البلطجية حتى يكون لديك ما تستطيع الأعتماد عليه في أوقات المعارك والسرقات العشوائية الممنهجة، فهذا البلطجي سيساعدك في أخذ حقك إذا ما واجهت شيًء من هذه الأشياء، عليك أن تصادق البلطجية.


6- عليك أن تصادق رجال الشرطة والقوات المسلحة:

في هذه البلد البشر طبقات، فأذا أردت أن تبقى في طبقتك بأمان دون المساس بك فعليك أن صديقًا لأحد رجال الشرطة أو القوات المسلحة، لا شيء يستطيع ايقافك إذا كنت صديقًا شخصية لأحدهم، لا الطوابير ولا موظفي الحكومة ولا اللجان الأمنية ولا أي شيء، صدقني الأشياء التى ذكرتها بالرغم من أنها تبدو غير مقلقة إلا أنها تشكل هاجسًا عند كل مواطن في هذه البلد، فالأفضل لك تجنبها، عليك أن تصادق رجال الشرطة والقوات المسلحة.


7- عليك ألا تكون غنيًا ولا فقيرًا:

الثراء والفقر، إذا أستُخدموا لنفس الأغراض، يصبحون وجهان لعملة واحدة، لكن الفارق أن الثراء ينجي صاحبة من بعض المهالك التى قد يتعرض لها الفقير، ولكن في النهاية الأثنان يُقتلون، يسرقون، يقتلون، يرتكبون الفواحش بسهولة وبمعدلات متوفرة، فأذا أردت أن تنجي نفسك من المتاعب عليك أن تكون من الطبقة المتوسطة العليا، تمتلك ما يزيد عن قوت يومك ويساعدك على شراء ما يزيد عن حاجتك، فتكون بذلك حجزت مكانًا لك في أفضل طبقات المجتمع، لهذا تذكر دائمًا، عليك ألا تكون غنيًا ولا فقيرًا.


8- عليك أن تكون اسفنجة:

هذه أخر نصائحي لك، عليك أن تكون اسفنجة حتى تمتص الصدمات ولا تنكسر ابدًا، فما ستراه في هذه البلد قد يفوق عقول كُتّاب أفلام الخيال العلمي والغير علمي، سترى أشياءًا لا يمكن أن تحدث في مكان في العالم إلا هذه البلد صانعة الحضارة والتاريخ، فأمتص الصدمات بهدوء ولا تنفعل ولا تنزعج ولا تفكر ولا تغضب، فقط عليك إمتصاص ما يأتيك من صدمات وتحويلها إلى شعور من اللامبالاه، عليك أن تكون اسفنجة.


هذه ما أسعفني عقلي على تذكرة من ربما مئات النصائح التي أردت توجيهها لك، ولكن أعلم أن هذه هي النصائح الأساسية والتى ستطابق إذا أردت أن تسأل ايًا من أهل هذه البلد عن نصائح، فأفعل بها، وأحفظها في درجة حرارة مناسبة وبعيدة عن متناول الأطفال، اتمنى أن تستمتع بالإقامة في هذه البلد، اتمنى ذلك حقًا.

Friday, October 3, 2014

وفينك؟

عزلة مؤقته، وحنين لأشياءٍ مضت وولت ولن تعود، سئمت الأشياء جميعها، التفاصيل، والبشر، وحتى الكلام، وما تبقى في الذاكرة، سئمت كل شيء، ما الذي يمكننا فعله إذا؟ لا شيء، فقط علينا الأنتظار حتى يتسنى للزمان أن يسمح، وللظروف أن تعطف، وللقلب أن يكون رحيمًا.

أقرر فجأة وبدون مقدمات أن أستمع إلى أغنية شجر الليمون، تبدأ الأغنية بتساءل عن الوقت "كام عام ومواسم عدوا؟" أدرك بعض الأشياء متأخرًا، وأفقد الأحساس تمامًا بالوقت، تتراكم علينا الهزائم المتتالية، هزائم بلا معارك ولا صراعات مع أي شيء، مجرد هزائم متواجدة بفعل عقارب الساعة، فالجلوس دون فعل أي شيء والوقت يمر يعتبر هزيمة، تعود بعدها لتسأل عمّا جرى، وعن الوقت الذي مر، وهل ستستطع اللحاق برِكابه.

"وفينك؟" وهو السؤال الأصعب، عن أي شيء نسأل؟ في الواقع الكثير من الأشياء، ولكن تحديدًا لا نعرف عن أي شيء نسأل، عن الغائب الحاضر الذي لا يحرك ساكنًا في وجودنا كما لو كنّا يومًا سراب، عن الحلم الذي كان ولا نعرف له طريقًا، عن البدايات التي لم تكتمل، عن من سيأتي ليعطي لكل شيء في الحياة معنى، لا يهم عن أي شيء نسأل، الأيام تمر وتنقضي، نعبر فوق الأحزان كما نعبر فوق الأفراح، ولا شيء يبقى.

"وفينك؟" هذه المرّة نسأل بشكل أكثر تحديدًا، نسأل عن الحبيب بشكلِ مباشر، الحبيب الذي رحل فجأة دون أن يترك وراءه أثرًا نقتفيه، وبالرغم من ذلك لم نحاول أن تبحث له على أثر، فقط انتظرنا،
 فضلنا الأنتظار لأننا سئمنا البحث، وساءت الأحوال أكثر، فأصبحنا بدونه في حيرةٍ من أمرنا، لا نعرف إن كنا عقلاء أم مجانين، لكن ما نعرفه حقًا أن الدنيا رحايا، وقلوبنا أحبت الحب، ولكننا مازلنا نسأل، ومازلنا ننتظر.

في الأنتظار، يسرقنا الوقت، فلا نستطع حماية الأيام منه، تمر الأيام أمامنا، سئمنا الأنتظار كما سئمنا البحث، لا شيء يجدي نفعًا، والشغف في كل شيء يقل أكثر فأكثر، ويختفى الضيّ من العيون، لكننا مازال بداخلنا إيمانًا أنك ستأتي يومًا ما، لهذا سنبقى، وسنظل ننادي، فهل ستسمعنا؟ .. وفينك؟

                                 
                                            

Saturday, September 13, 2014

لقطات مجمعه من حياه عاديه.

                                                          




أراها، تجلس في هدوء، عاقدةً ذراعيها، لم تضع ساقًا على ساق كما تفعل الأخريات، هادئه، ربما يجذبني الهدوء دومًا، قسمات وجهها توحي بالبراءه، وأكثر ما أخافه البراءه، من عرفتهم بالبراءه صاروا _بعد وقتٍ قليل_ أكثر الناس بعدًا عن البراءه، لكنها تبدو مختلفه، أراها دائمًا مع صديقاتِها، هم أكثر بجاحةً وقبحًا فى شخصياتِهم لمصادقتها، فلماذا تصر على أن تصادق مثل هؤلاء؟ فيرد عليّ جانبي المظلم: "لكي تظهر أكثر براءةً وهدوءًا".

_______________


لم أفهم يومًا قصة المسافات، في البُعد أشتياق غير معلن وفي القرب تنافر غير مبرر، تتحدث كثيرًا ولا أهتم، تسأل عليّ دائمًا، أطمئن لوجودها فأشعر بأن وجودها لا نهايةَ له، تتحدث ولا أرد، لأوقاتٍ طويله، فرحًا لكنني لا أبدي هذا الفرح علنًا، فجأه تتوقف عن الكلام، فأتساءل لماذا توقفت عن الكلام؟ هل أخطاءت فى شيٍء ما؟ فأبدأ أنا بالحديث، وتبدأ هي بالصمت.

_______________


يحدثني صديقي عن الموضوع الذى أخشى الخوض فيه، يحدثني كثيرًا وتلمع عيونه، فأنصحه بأن يتوقف، وأن هذا الشيء غير مناسبًا له، فيسألني لماذا فلا أجد جوابًا غير "لمصلحتك". عندما بدأت الوقوع في نفس ما هو واقعٌ فيه، كانت نصيحتي له أن يكمل طريقه، وبعد فتره مربكه، عدت فى أولها ناصحًا له بأن يتوقف عن هذا الشيء، لكن بعد مرور هذه الفتره لم أعد أنصحه بشيء، فقط يحكي لي وأنا ابتسم.

_______________


نتحدث لساعات طويله، ابوح بكل شيء، جميع التفاصيل، تنتقل التفاصيل منّي إليها، وإلى أصدقائها، ومن أصدقائها إلي أصدقائي، وتظل التفاصيل تدور في دائره مغلقه، حتى تم إهمالها، بعدها أصبحت أحتفظ ببعضها لنفسي، دون البوح به لأحد، أبوح بكل شيء، عدى بعض التفاصيل التى تظل بعيده عن متناول الجميع.


______________


تجلس بجانبي، تبدأ فى الحكي بشكل مباشر، عن الحياه وزوجها الذي أخذ الكسل والنطاعه حِرفه، وتعبها وحِملها للمسؤوليه وحدها، عن ابناءها الذين خاضوا معركة الثانويه العامه تِباعًا بشكلٍ متتالٍ، تحكي عن كل هذا وفي عينيها دمعه، وما أن تذكرت نجاح ابناءها حتى ابتسمت وقالت الحمدلله على كل شيء، وتوقفت عن الكلام.


______________


اقابل صديقي القديم وزميل المدرسه فى الطفوله، نفتح صندوق الذكريات، نتبادل الحديث عن ذكريات الطفوله، يفتح هو صندوق الأسرار، فأسكت، ويبدأ هو بسرد سير الخيال، حب مدرسة اللغه الأنجليزيه وتمني موت زوجها حتى يتزوجها هو، محاولته المتكرره للنظر بداخل حمام البنات، فشله فى لفت إنتباه زميلتنا فى الفصل، ونجاحه فى لفت إنتباه صديقتها التي لا يحبها، نضحك كثيرًا، ونترحم على بساطه هذه الأيام.


______________


أراه يتحدث معها، تباغتني غصه فى القلب على حين غفله، لماذا يظفر بها هو وأنا أقف مكاني أشاهدهما؟ أعرف أن الحقد مُهلِك، ولكني سئمت الفشل، أو الِفته، لا أعرف. رأيناها فى نفس اللحظه تقريبًا، ثِقل قلبي أحال بيني وبينها، فوصل هو أولًا، وبقيت أنا فى مكاني لا أتحرك.




Thursday, September 4, 2014

"إنك تعلم أن الشعب لا يريحه أن تكون له إراده، وهو يوم يراها فى يده، يسرع فيعطيها لبطل، من نسج أساطيره، أو لإله مدثّر بغمام أحلامه، كأنما هو يضيق بحملها، ولا يقوى على الأحتفاظ بها، ويود التخلص منها وطرح عبثها"

- الملك أوديب (توفيق الحكيم)

Friday, August 22, 2014

رحلة البحث عن كابتن مصر.

  



(1)

قررنا الدخول إلى فيرجين ميجا ستور بعد يومٍ طويل من السير فى جميع أدوار المول، حتى أدوار السنيما التى لم ندخلها، عادةً ندخل إلى فيرجين كي نعبث بالأجهزه المتاحه للتجربه، ومشاهدة الشاشات العملاقه  ذوات النقاء العالى والدِقّه الفائقه، تستطيع أن تري أدق التفاصيل عن بُعد، ولما لا فمن يستطيع دفع مبلغ ربع مليون جنيه فى شاشه يستطيع رؤية أي شيء إذا أراد.

لأول مره، قررنا التوقّف عند الرفوف التى تحمل أشياءًا ورقيه لا تمت إلى التكنولوجيا التى تملئ المكان بشيء وتسمى الكُتب، لم نلتفت إلى رف الروايات، ولا الكُتب الحديثه، ولا الأعلى مبيعًا، هناك رف للكُتب الساخره وهذا ما نحتاجه حاليًا، أول مكرر؟ عمّا يتحدث هذا الكتاب، يقال أن أسم الكاتب "هيثم دبور" وهو أسم شخصية أحمد مكى فى مسلسل تامر وشوقيه، إذًا هو صاحب الشخصيه الأصلى، وهو مؤلف ايضًا، لنرى ماذا يقول، يتحدث عن الجُمل المكتوبه على أبواب وحوائط الحمامات، انه مضحك حقًا، فقرر أحد أصدقائى شراء الكتاب.

أتحرّك يمينًا ويسارًا كأننى اراقب حركة الكُتب واتأكد انها فى أماكنها الصحيحه، تقع عينى على كتابٍ آخر "كلام أبيح جدًا" ابتسمت ابتسامه خبيثه، هذا ما احتاجه بالضبط، قررت فتح الكتاب، اتنقل بين صفحاته "فين يا عم الكلام الأبيح اللى بتقول عليه؟"، انه يكذب، فهذا الكتاب لا يحتوى على أى كلام أبيح، لمحت وأنا أضع هذا الكتاب كتابًا يحمل صورة رجل ميلودى وبطاقه شخصيه، من عمر طاهر هذا ومن كابتن مصر؟ قررت أن افتحه لأعرف من هو كابتن مصر، لكن كان قد حان وقت الرحيل، فرحلنا وتركته دون أن أعرف من هو كابتن مصر.

(2)

أشعر بالضجر، اتنقل بين القنوات علّني أجد ما قد يزيح عنّي هذا الضجر، انتظر، من هذا المذيع الذي يشبه رأس البطاطس؟ ضحكت كثيرًا، كيف لمذيع أن يكون بهذا الشكل؟ يرتدى النظارات واقرع؟ مذيع أقرع؟ ألم يكن عمرو أديب كافيًا حتى يأتوا لنا بآخر من نفس نوع الدماغ؟ والبرنامج اسمه (مصرى أصلى) لا ما هو واضح.

اقرأ على التترات، إعداد وتقديم عمر طاهر، من عمر طاهر؟ لا اتذكر أحدًا بهذا الأسم، لابد أنه مذيعًا جديدًا، "هى المشرحه ناقصه؟" لماذا لم يأتوا بشخصًا آخر مقبولًا على الأقل لكي يكون مذيعًا، لماذا لا يتعلمون من تامر آمين مقدم برنامج البيت بيتك؟ لابد وأن له واسطه فى الأذاعه والتلفزيون، اللى له ضهر يا عم عمر .. وعجبى.

(3)

بدأت القراءه، أحببت أن اتعرف أكثر على ما تحتويه هذه الكتب، انزل إلى السور لأول مره بصحبة صديق، كنت قد سمعت عن أسم باولو كويلو وروايته ذائعة الصيت "الخيميائى"، اقلّب بعينى فى الرفوف، ما هذا الكتاب؟ الكلاب لا تأكل الشيكولاته؟ طبعًا مش كفايه اللحمه؟ أهذا حقًا كتابًا نزل إلى الأسواق بهذا الأسم؟ لهذا السبب الناس لا يقرأون.

تجاهلته وأشتريت بعض الكتب، قررت أن اتصفح موقع جوود ريدز وأعرف أكثر عن الكُتب التى أشتريتها، تقع عينى على أسم كتاب، تانى؟ الكلاب لا تأكل الشيكولاته تانى؟ لماذا يطاردنى هذا الكتاب؟ أنا لا أريد أن أعرف لماذا لا تأكل الكلاب الشيكولاته، ولكننى إذا أردت أن أكون مثقفًا يجب أن أعرف كل شئ، لا ضرر من أن أخذ فكره عن الكتاب، أسم الكاتب عُمر طاهر، أهلا وسهلًا، هناك شخص كتب أن الكتاب رائع، وآخر كتب أن الكتاب هو أفضل ما كتبت، وآخر كتب انه أسوء كتاب قرأه فى حياته، لكن من الواضح أن معظم الناس أعجبهم الكتاب، قررت قراءته والحكم عليه بنفسى، لنرى يا عم عمر كتاباتك.

(4)

يقول عمر طاهر على لسان صاحبه برما: "
الجمال لا يكمن فى الأشياء يا صديقى، ولكن يكمن فى المتلقى، ووجود القبح يدربك على البحث عن الجمال، لأن الله جميل فهو يحب الجمال، لو كانت الجملة "الله يحب الجمال" فقط لكان هذا يعنى أن فى خلقه ما هو جميل وما هو قبيح، وبالتالى فهو يحب الجمال ولا يحب ما دونه، لكن الله جميل فهو يرى الجمال فى كل شئ حتى ما تعجز أنت عن رؤيته، لأنك لست جميلاً بالقدر الكافى"

ويقول ايضًا "
المبالغة فى الكراهية عندنا تقود البعض إلى الوقوف فى الجهة المقابلة .. دون أن ينظر احد اسفل قدميه ليرى اين يقف" ثم يُكمِل "راجع اختياراتك في الحياه لتعرف انك علي باب الله زي حالاتنا، وانك لا تمتلك كتالوج الاختيارات النموذجيه وليست لديك نسخه من الاجابات النهائيه لكي تحكم من خلالها علي اختيارات الاخرين"

وأخيرًا يقول "
مع كل خطوة في عمق الحياة يعيد الإنسان اكتشاف نفسه، وأهم اللحظات في حياة الواحد مرتبظة باكتشاف كم تغيرت علاقته بالأشياء الثابتة من حوله، مع كل محطة جديدة تعرف عن نفسك ما لم تكن تعرفه من قبل وبمرور الوقت تكتمل الصورة ."


(5)

حاليًا، قرأت معظم ما كتب عمر طاهر، قديمًا وحديثًا، ماعدى دواوين الشعر الذى لا افهمه، لكن هذا الرجل يقول كلامًا ينفذ إلى القلب دون رقيب، اتابع مقالاته فأرى فيهم ما لا أراه حولي، رجل يعرفنا جيدًا، يتحدث عنّا جميعًا، يعرف نقاط ضعفنا ونقاط قوتنا، بعض اللحظات تشعر أن عمر طاهر قد كُشف عنه الحجاب، يرى ما لا نراه فى أشياءٍ بسيطه قد لا نعتبر وجودها من الأساس، لكن عمر طاهر يراها.

قالوا قديمًا "ما محبه إلا بعد عداوه" وأنا أقول ما محبه إلا بعد قراءه يا عم عمر، وكما قال عمنا نجيب محفوظ "ما أعرَف أولاد حارتنا بالحكايات، فما لهم لا يقرأون (يستمعون) إلى عمر طاهر؟".

Wednesday, August 20, 2014

نقل الذكريات من العقل إلى المسودات. (رحله فى ممر الذكريات)

قررت السير فى ممر الذكريات وحدى، دون الحاجه إلى رؤية شئ يذكرنى بذكرى مضت، فقط اردت تذكّر بعض الأشياء، لحظات البطوله فى مقابل خيبات الأمل، لحظات الفرح فى مقابل الحزن الذى يحل فجأه دون سابق إنذار، لحظات قد تتذكرها ولا تعرف كيف تصنفها، ولكنها فقط لحظاتٌ مرّت ولا جدوى من محاولة تصنيفها.

فى أول المنعطفات قابلتُها، كنت قد رأيتُها من قبل فى صوره على الفيس بوك، اسرنى شكلها البرئ، الطفولي الهادى، وابتسامتها الصافيه، والغمازات على جنبات ثغرها، فتحركت مشاعرى تجاهها كمجذوبًا منجذبًا لرائحةِ شئ ما يحبه، ذات العيون العسليه الواسعه أصابتنى بسهمٍ مباغت، ولا سبيل للهرب من ذلك.

سألته "مين دى؟" فأجاب "دى .... معانا فى الجامعه." فتحدثنا قليلًا عنها، وقال انه يمكننى رؤيتها ليلة رأس السنه، فذهبت يومها ورأيتها، ورأيتها مرّة أخرى فى عيد ميلاد، ولكننى تصرفت بغرابه شديده منفره لشدة ارتباكي، لم أكن أعرف ما عليّ فعله حينها، فقط لم أتحدث معها، ولكننى كنت أنظر لوجهها بين الحين والاخر، فلما التقت أعيننا وجدتها ترتبك وتنظر بعيدًا، لم أكن أعرف ان عليّ الحد من النظره التى تشير إلى اننى قاتل ينتظر ان تفرغ من ما تأكل حتى يتسنى له الوقت لقتلها.

عدت إلى البيت سعيدًا فرحًا بما حققته حتى الأن، نعم نظرت لها ونظرت إلي، والأن .. ما العمل؟ نعم، إضافتها كصديق، ضغط على اسمها وبعد ذلك زر "إضافة صديق"، وانتظرت، أسبوعين كاملين، أو ربما كان أكثر، فأكتئبت، لماذا لم تجب على طلب الصداقه؟ هل قيل لها شئٌ عنّى من أحد، لا أعرف، ربما حدثها صديقى الذى عرفت فيما بعد انه كان معجبًا بها، ولكننى قررت أن أخرج من هذه الحاله، فذهبت مع أصدقائى إلى حفله غنائيه، فأدخل لأفاجئ بها تقف مع صديقى وشخصًا آخر، خيانه! نعم هى خيانه مكتملة الأركان، فها هى تقف معه بعد أن اتفقا على تحطيمى، سوف أرحل قبل أن أفقد أحترامى لنفسى أكثر من ذلك.

خرجت من هذا المنعطف بضحكٍ لا مثيل له، بعض الذكريات ربما تؤلمنا فى وقتِها، لكنها بعد ذلك تتحول إلى ذكريات مضحكه تهوّن علينا لحظات الآلم.

اترك هذا المنعطف لأدخل بعده فى المنعطف الأخر، ما الذى آتى بي إلى هنا؟ سأركض إلى باب الخروج، لا شئ هنا أريد أن اتذكره، حاولت الركض لكننى كنت بطيئًا كالعاده، فأمسكت بي بعض الذكريات، نعم، أعجبت بها، ونعم كانت مرتبطه بصديق لي، ونعم لم أحدثها فى هذا طوال هذه السنين، ونعم كنت مقربًا منها فى لحظاتٍ كثيره، وبعيدًا ايضًا فى أوقاتٍ أخرى، أوقاتٍ طويله، لم نتحدث، أقابلها صدفه فأبتسم، ولا اتكلّم، الصدف بالنسبة لي شئ مُربِك جدًا، لا أحب الصدف كثيرًا ولا المفاجأت، وأصاب بضعفٍ فى الكلام عند مواجهة أحدهما، فلا أتحدث ويهرب منّي الكلام دائمًا.

أحاول الهرب، أنجح بصعوبه، فأدخل بعدها إلى المنعطف الثالث، أرى طفلًا بدينًا بخدودٍ بضّه متورّده، يرتدى قميصًا ابيضًا وبنطالًا رمادى اللون، وربطة عُنق نبيتى، هذه الخدود تلاعبها بسخافه إمرأه طويله ترتدى فستانًا مزهّرًا، والطفل لا يضحك، لا يوجد على وجهه الممتلئ أى تعبيرات تُذكر، دققت النظر قليلًا به، نعم، انه أنا، وتلاعب خدودى مدرستى للغة الأنجليزيه فى الصف الرابع الأبتدائى، حسنًا، لنكتفى بهذا القدر من الذكريات، سأحاول الفرار قبل لحاق أحدى هذه الذكريات المتربصة بي، لا اريد الأن مزيدًا من هذه الذكريات.

Tuesday, August 19, 2014

ما جناه اليكس.




منذ أيامًا ليست بالبعيده، كان إنقطاع الكهرباء شئ يُفرح الأطفال، يهللون عند إنقطاعه وعند رجوعه، لأنه كان شئ نادر الحدوث، لذلك كانوا ينتظرون إنقطاعه حتى يبدأوا فى عمل الأصوات المرعبه ومحاولة أخافة من يخاف منهم، أو تلاوة قصص الرعب التى يعرفونها عن طريق كبار السن أو خيالهم الواسع عن ما قد يرونه فى الأفلام الأجنبيه.

أما الأن، فإنقطاع الكهرباء لم يعد بالشئ المُفرح، لا للأطفال ولا للكِبار، لا عند إنقطاعه ولا عند رجوعه، بل أصبح يشكل عبئًا ثقيلًا على جميع أفراد الأسره، الأجهزه تتعطل، الطعام يفسد، العرق يأكل أجسادنا فلا نستطيع النوم، فلا النوم أصبح مريحًا ولا الأستيقاظ.

ولكن ما الذي يحدث حقًا؟ هل حقًا هناك ضعف فى موارد الدوله؟ زيادة سكانيه وتوسع يقابلها قله فى الموارد الطبيعه، أم أن الدوله تحاول قمع المواطنين عن طريق الإنقطاع الدائم بصوره مستفزه عنهم؟ لم اؤيد نظرية الموامره فى حياتى قَط، لكنها فقط محاوله للتسليه فى ظل إنقطاع الكهرباء الأن.

منذ فتره قرأت مقالًا عن أن البشر فى مصر الأن أصبحوا اكثر شراسه تجاه بعضهم البعض بشكل لم يكن متوقع، ويرجّح كاتب المقال إلى ان السبب هى الحاله النفسيه السيئه والضغط العصبى والكبت الذى يعانى منه جميع البشر تقريبًا فى مصر، فيمكن أن تجد خبرًا يقول أن هناك من قتل جاره بسبب ركنه للسياره، أو من قتل زوجته فى نهار رمضان بسبب أنها لم تُحضّر طعام الإفطار، أو بسبب مبلغ ضئيل من المال.

لم يعد المواطن يتأهّب فقط لمعاركه الكبيره، بل أحاطت المعارك الصغيره به من كل جانب، فأصبح خروجه إلى الشارع يمثل معركة، ومحاولة لحاقه لوسائل المواصلات معركة، نجاحه فى رجوع بيته سالمًا معركة، فأصبح ينفعل لأقل شئ، ويتقاتل على أشياء ربما تكون فى نظر عموم الناس شئ تافه لا قيمة له. فما الذي يمكن أن تفعله الدوله تجاه شخص بهذه الشراسه؟ وجب تأديبه.

إذا كنت على درايه بطريقة تربية الكلاب فستعرف جيدًا ما اتحدث عنه من تأديب الكلب وجعله مُطيعًا لك صاغرًا لكل أوامرك، لأن شراسته ستكون مفيده لكن فى لحظات لكنها مُضره فى معظم الأحوال، فتأدبه عن طريق بعض الحركات والكلمات التى تقولها له، تعلمه كيف يجلس بكلمه، وكيف ينبطح على بطنه بكلمه، وكيف ومتى يزمجر ويعوي على من تريد بكلمه، فتسطيع أمتلاكه حقًا حينها.

هناك ايضًا فيلمًا (رواية) يدعى "Clockwork orange" تأليف انطونى برجيس واخراج ستانلى كوبريك، ويتحدث عن شاب اسمه اليكس وهو رئيس عصابه من العصابات التى سيطرت على الشارع فى لندن، فجابوا الشوارع يغتصبون النساء ويضربون الماره ويتحرشون بهم بلا أدنى سبب، وفى يوم من الأيام قرروا الدخول إلى بيت مؤلف واغتصاب زوجته أمامه كنوع من التسليه، بعدها يتورط اليكس فى قضية قتل امرأه، عندها أستشعرت الدوله الخطر من أستفحال هذا الشخص فقررت معاقبته.

قبضت الشرطه على اليكس وقررت علاجه بطريقه جديده، وهى تحويله من شخص شرس إلى شخص وديع مُطيع لا يستطيع حتى النظر فى وجه الماره فى الشوارع، فأرغموه على مشاهدة أفلام عنيفه وجنسيه بلا إنقطاع مع حقن تسبب له الغثيان والمرض، فترتبط لديه شهوتى العنف والجنس بالغثيان، والنتيجه كانت تحويله فعلًا إلى كائن مُطيع لا يستطيع على حمل عصا خشبيه حتى.

لن يستطع اليكس بعد ذلك اغضاب الدوله، بل لن يستطع اغضاب احد، فقد قامت الدوله بتهذبيه إلى حد انه شعر انه لا مكان له فى هذا العالم، لا شئ يمكنه ان يفعله تجاه ما يحدث حوله، لم اتعاطف مع اليكس عندما أستفحل قوته واراد ان يفتك بكل شخص يقابله، ولكن وجوده على هذا الحال لا يسر ايضًا، كان يمكن تحويل اليكس إلى شخص صالح يفيد الدوله حقًا، لكن ليس هذا ما تريده الدوله، ليس هو ما تريده.

ما حدث لاليكس هو ما يحدث لنا فى هذه الأيام من فقد لأنسانيتنا عن طريق محاوله قمعنا والقضاء على ماتبقى لدينا من عقل، يريدونا كما ارادوا اليكس، كائنات مطيعه وديعه لا ترفع حتى صوتها على غيرها، ولا تفكر الا فى اقل حقوقها، ككلاب الحديقه لا يهمها إلا اكلها والمأوى فقط، وأطن أن محاولة نزع صفة الشراسه عنّا تتم بنجاح الأن.
   



Sunday, August 17, 2014

"كيف انتهى الأمر بحارتنا إلى هذه الحال؟ وإنى لأتساءل عما ابقى آبائنا _أو عما يبقينا نحن_ بهذه الحاره اللعينه؟"

- نجيب محفوظ (أولاد حارتنا)

أركن إلى المجاز الأقرب والأوضح، لضعف ما امتلك من حصيلة معرفية ولغوية وزخم شعوري تجاه العالم، فالوحدة هي الصحراء الواسعة، والظمأ الأرض ا...